انفصال الإقليم ولادة مستحيلة

| تحسين الحلبي 

يلاحظ المتتبعون لوسائل إعلام العدو أن إسرائيل بدأت منذ الإعلان عن رغبة مسعود بارزاني في إجراء استفتاء على الانفصال عن العراق، بنشر مقالات وتحليلات بالإنكليزية والعبرية والعربية تشجع فيها على اتخاذ القرار بالانفصال.
صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، نشرت دعوة من البروفيسور يارون فريدمان في 10 الجاري، وهو أحد المختصين بالإسلام وباللغة العربية في الشرق الأوسط، يطلب فيها من القيادات الكردية العراقية الإصرار على الاستفتاء لأنها «أفضل فرصة الآن وأنهم إذا لم يعلنوا الآن فلن ينالوا فرصة أخرى»، علماً أنه يعترف أن الظروف معقدة وأن إجراء كهذا سيكون وكأنه قرار حربي وليس سياسياً وخصوصاً بعد تقارب أنقرة مع طهران وبغداد في هذا الموضوع.
الحقيقة الواضحة أن إسرائيل تريد عملياً تدشين حروب جديدة بعد أن انتهت تقريباً من العراق وسورية عبر حروب داعش وأنصارها، وهي تصور المسألة وكأن الإعلان عن الانفصال سيكون مفروشاً بالورود، ويوهم الإسرائيليون المنطقة والأكراد بشكل خاص، أن هذا ما فعلته «إسرائيل حين أصبحت دولة»! ويجب الإصرار، والكل يعرف أن أكراد العراق عاشوا مواطنين ضمن حياة مشتركة مع العراقيين وغيرهم وهم أبناء هذه المنطقة، فلا وجه للمقارنة حين يطلب الإسرائيليون من قادة الأكراد مثل هذا الموقف، كما أن الكل يعرف أن بريطانيا كانت تحتل فلسطين منذ عام 1918 حتى عام 1947 رسمياً، وكانت طوال تلك الفترة تحكم مصر والعراق وشرقي الأردن وجيشها موجود في فلسطين ومن حولها، والجيش الفرنسي الاستعماري كان في سورية ولبنان، ولذلك كان من السهل على بريطانيا والمنظمات الصهيونية نقل فلسطين إلى مصلحة الحركة الصهيونية، فالكل من حول فلسطين كانت تحكمه بريطانيا القوة المحتلة لفلسطين.
وعلى العكس تماماً مما جرى عامي 1947- 1948، يجد الأكراد أنفسهم الآن في جوار يرفض الانفصال من العراق الوطن الأم، إلى سورية الجوار الشقيق، إلى تركيا إلى إيران، فمن الداخل العراقي ومن الجوار العربي وغير العربي، لا أحد يقف إلى جانب انفصال إقليم كردستان العراق، بل الجميع هنا يريدون بقاءه ضمن الأمر الواقع الفيدرالي الذي تم الاتفاق عليه والتوقيع عليه.
إن بارزاني ومن معه من المعلنين عن حملة الانفصال، سيلحقون أكبر الأضرار بالجمهور الكردي في العراق من دون أي مصلحة للأكراد أو لأشقائهم العراقيين، فقد قاتل الجانبان المجموعات الإرهابية التكفيرية التي استهدفت جميع العراقيين بلا استثناء، وما زالت دماء الذين سقطوا من الجانبين في هذه الحرب لم تجف، وكانت الحكومة العراقية وقيادة إقليم كردستان تعدان خططاً مشتركة للمستقبل في عراق موحد بعد الانتصارات على داعش وتحرير الموصل من إرهابه وسيطرته.
في ظل وضع كهذا، لا يمكن أن يكون هناك مكان لإجراء انفصالي من هذا القبيل، بل إن هذا الإجراء سيفاقم من تأزيم الأوضاع بين الحكومة التركية وأكراد البلاد، كما أن الكثيرين في أوروبا وفي الولايات المتحدة نفسها، لا يراهنون على نجاح هذا الإجراء، أما إسرائيل فلا يهمها سوى زيادة تأزيم العلاقات الداخلية والخارجية بين مختلف دول المنطقة ومكوناتها الإثنية والدينية والمذهبية، وتريد لهذه العلاقات أن تسير نحو حروب داخلية وخارجية، ألم يثبت للجميع ذلك حين وجدنا أنها تدعم «دولة داعش» الإرهابية وكل المجموعات الإرهابية المسلحة التي استهدفت الأكراد وغيرهم في دول المنطقة؟ ثم هل يمكن المراهنة على الولايات المتحدة وإسرائيل لفرض هذا المشروع الانفصالي على العراق والمنطقة؟
ألا يرى الجميع أن الولايات المتحدة تواجه أزمة وصعوبات هائلة في حماية حليفتها كوريا الجنوبية وتواجه أزمة في حماية حليفتها قطر من حلفاء سعوديين؟
ألا يرى الجميع أن إسرائيل لم تعد تلك القوة المتفوقة أمام كتلة محور المقاومة الذي تشكله سورية وإيران والمقاومة اللبنانية وأن العراق لم يعد عراق عام 2003 أو 2010؟