حماس في ثوبها الجديد

| عبد المنعم علي عيسى

«حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية – حماس» منذ أن بدلت قيادتها للمرة الثالثة في غضون ثماني سنوات، لا يزيد عملها على الظهور بمظهر الحركة التي تتمتع بالمرونة الكافية لبقائها في سياق الزمن لا خارجه، أو يقال إنها تمارس حالة «ستاتيكو» تقف عندها، شأنها في ذلك شأن الأغلبية الساحقة للتنظيمات التي تتبنى الإسلام السياسي منهجا لها.
آخر مظاهر هذا المسار الجديد تمثل في لقاء وفد الحركة مع وفد منظمة التحرير الفلسطينية في القاهرة الشهر الجاري، وهو اللقاء الذي خرج فيه الطرفان بتوافق كبير، بعدما فشلا في السابق على مدار أحد عشر عاماً، وفيه عبرت حماس عن استعدادها لحل حكومتها القائمة في غزة وتسليم مفاصل السلطة فيها إلى السلطة الفلسطينية، وهو ما اتفق على أن يحدث الثلاثاء المقبل.
بالتأكيد لم يكن دافع الطرفين إلى تقديم التنازلات للوصول إلى ما وصلا إليه، نابعاً من حرصهما على مواجهة التحديات المحدقة سوية، ولا كانت بفعل الضغوط المصرية، بل ولا كان تصنيف القاهرة لحماس على أنها تنظيم إرهابي، هو ما دفعها للقيام بما أعلنته للخروج من الدوامة، وإنما اضطر الطرفان إلى انجاز اتفاق القاهرة 17 الجاري تحت تهديد سحب البساط من تحت قدميهما كلاهما.
إن الشعب الفلسطيني هو الذي استطاع مواجهة حكومة العدو الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو، وهو من أجبر سلطات الاحتلال في تموز الماضي، على إلغاء البوابات الإلكترونية على مداخل المسجد الأقصى العشرة، مستنداً إلى عمق حضاري عمره سبعة آلاف عام وجذور ضاربة في الأرض يستحيل معها النجاح في اقتلاعه، الأمر الذي خلق إحساساً لدى القوى السياسية الفلسطينية بالتهميش، وهو ما استدعى فعل شيء ما فكان اتفاق القاهرة.
جاء ذلك التحدي متوافقا مع الحسابات السياسية لكلا الطرفين، فالسلطة تريد أن ترى نفسها حاكمة للشعب الفلسطيني بكل مكوناته، وهو ما يقوي موقفها في مواجهة تل أبيب، أما حماس فهي تريد توسيع إمارتها الإسلامية في غزة لتشمل الضفة الغربية، وآخر الاستطلاعات تقول: إنه لو حدثت الانتخابات في أراضي السلطة الفلسطينية اليوم فان حماس ستفوز فيها، ولربما بنسبة تفوق تلك التي فازت فيها عام 2006، وما تفكر به حماس اليوم هو الحيلولة دون تكرار سيناريو الانتخابات الأخيرة عندما استطاع تكتل خارجي دولي إقليمي إسقاط حكومتها تماماً، كما فعل ذلك الخارج مع حكومة حزب الحرية في النمسا التي أسقطها عام 2008 بدعوى أنها تمثل امتداداً صارخاً للنازية.
ما يدعو حماس إلى التفاؤل في مسعاها ذاك، هو حال الترهل الذي تعيشه منظمة التحرير وتآكل مشروعيتها التي تقوم أساساً على اتفاق أوسلو المبرم عام 1993 والذي مضى على توقيعه ما يقرب من ربع قرن من الزمن، ولا يزال يراوح مكانه، ما يسبب إحراجاً كبيراً للسلطة كما يضعف من تمثيلها الشعبي لمصلحة صعود شعبية حماس، وفي جزء بسيط منه يصب في مصلحة حركة الجهاد الإسلامي.
من الصعب الآن الحكم على ما ستسير عليه الأمور ما بعد الثلاثاء المقبل، إلا أن الألغام التي تعترض ذلك المسار عديدة أبرزها ارتباطات حماس الإقليمية، وإن كانت هذه الأخيرة تقول بأنها تنوي إعادة تموضعها السابق من جديد، بمعنى إلى ما قبل آذار2011، وكذلك التشنج الهائل الذي تعيشه منظمه التحرير بفعل عجزها عن فعل أي شيء في مواجهة الخطر الاستيطاني الإسرائيلي، وعجزها في دفع مسار التسوية النهائية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الرغم من وجود مناخات دولية وأوروبية هي الأكثر تقدماً في مصلحتها منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948.
اتفاق المصالحة الفلسطيني مرتبط بدرجة كبيرة بعلائم المرحلة الراهنة وبتوازن القوى الإقليمي القائم حتى إذا ما أصابهما تغيير يذكر، أحدهما أو كلاهما، أضحى هذا الأخير بحكم منتهي الصلاحية.