عن اليقين… وسرّ اليقين

| إسماعيل مروة 

يردد كل واحد منا مفردة اليقين أكثر من أي شيء آخر، فهو على يقين، وهو يملك اليقين، وهو متيقن، واليقين معه هو لا مع سواه، واليقين مرحلة أعلى من الإيمان بكثير، لأنه الوصول إلى جوهر الجوهر من الإيمان، وإن عصفت الأهواء بالإيمان، إلا أن اليقين أمر لا يتزعزع، ولا يمكن التغيير فيه، لأن من ملك اليقين ملك كل شيء… وكلمة اليقين بما فيها تسكن الذاكرة الداخلية، ولعلّ أول مرة بحثت عنها طويلاً عند ما قرأت لأستاذ الفلسفة تيسير شيخ الأرض كتابه الصادر في دمشق قبل ثلاثين عاماً (الفحص عن أساس اليقين)، وبعد قراءة متمعنة وطويلة لم أخلص إلى نتيجة، فما في البحث وما ماثله من رؤى فلسفية تصل العمق، وتطول قناعات عميقة في نفس القارئ.
واليوم عندما أعود إلى اليقين أعود إليه في غمرة بحثي عن ذاتي، وقد وقفت عند الإيمان، وناقشني عدد من الأصدقاء حول ما طرحته في سرّ الإيمان، ويبدو أن أدب عدد منهم الجمّ لم يسمح له أن يجبهني بأي لفت يطولني ممن يقرأ ولا أعرفه، ومما كان يدور على اللسان وعلى طرف الفؤاد أن ما أطرحه حسب رأيه يتعارض مع الإيمان، فكيف وأنا أبحث معه عن سرّ الإيمان؟! الفرق ما بيننا هو أنه يرى أنه يعرف الإيمان وسرّه، وأنا لا يحق لي أن أبحث عن سرّ مفروغ منه ومن حقيقته! وبالنقاش تبدأ الآيات والأحاديث وسير الصالحين للتدليل على الإيمان، وبأن الإيمان يجب ألا يناقش، وتتهلل أساريره لأنه يأتي بالحجة والدليل، أما أنا فأطرح التساؤلات التي قد لا يتفق عليها اثنان، خاصة إن ملكوا جوهر الإيمان كما يتهيأ له!
لابد من التذكير من أنه لو كانت منطلقات الناس في الفهم والطرح والمناقشة متطابقة ما تمت مناقشة أمر، وما وجدت الفلسفة ومذاهبها، والشرائع ومذاهبها وطوائفها، وما قُتل مظلوم بحجة الزندقة والكفر والإلحاد لمجرد أنه يرى رأياً مختلفاً، والخطورة تتأتى من زعم أحدنا بأنه يتحدث الحق، فمرة نسمع أحدهم يتحدث عن ضرورة حماية الأقليات، ويتطوع أحدهم، وهو لا قوة لديه، ليقول: إن رعاية الأقليات ومصالحهم وتأمينهم هو من أولوياتنا! إنه يستحق الشكر على هذا، ولكن كيف وجعل إلى إيمان بأن الله كلفه بالأقلية، وفضله عليهم؟ إن كان مؤمناً بهذا الدور، فهو ليس مؤمناً بالله نهائياً، فما لأحد من فضل في النسب والقومية والعرق والشريعة لينصب نفسه حامياً لحقوقه، أو مبتلعاً لحقوقه!
إن هذا المنظور ينطلق من منطلق الدولة الدينية أو الطائفية أو المذهبية، سواء كانت هذه الدولة في الشرق أو الغرب، مسيحية أو إسلامية، بل إن هذا الفهم هو الذي سوّغ العمل لمشروع ديني يقوم عليه الكيان الصهيوني في التأسيس لدولة إسرائيل الدخيلة، وما يجري على الأرض اليوم في المنطقة العربية لا يتعدى أن يكون كذلك، فهؤلاء الذين أرادوا وبدعم غربي لا لبس في وجوده، أرادوا أن يخربوا المنطقة، وبالاتفاق مع عناصر داخلية كثيرة، وبعضها موجود في السلطات! هؤلاء قام مشروعهم على الإيمان كما يزعمون، فرأينا مبدأ السبي، ومبدأ القتل والمحاسبة على السرائر، فهل هذا من الإيمان ومن اليقين؟! بماذا تختلف المرأة المسلمة التي انتهكت في البلقان في أزمة يوغوسلافيا عن المرأة اليزيدية أو السريانية أو المسيحية أو السنية أو العلوية أو ما شئت أن تعدد من مذاهب، لأننا نفاخر بالتنوع ولا نعمل به؟ كل طرف من الأطراف المتصارعة ينهي الآخر، يسرق أرضه وماله، ينتهك حرمته وعرضه، والذي لا نقف عنده، هو أنه يفعل ذلك دون وازع، ودون أن يشعر بتأنيب ضمير، ليس لأنه فقد الحسّ الإنساني كما نحاول أن نناقش! بل لأنه يظن أنه ملك الإيمان، وملك اليقين! بماذا تختلف رؤية المتشدد من أي طائفة أو مذهب إسلامي أو مسيحي عن رؤية اليهود المتشددين بمسألة شعب الله المختار؟ ألا تعاني البشرية منذ زمن بعيد من مسألة شعب الله المختار؟ ألم يحدث كل ما حدث تحت مسألة إيمان شعب الله المختار التفضيلي؟ هل رأيتم يوماً أو سمعتم أن إسرائيلياً واحداً شعر بتأنيب ضمير لما يحدث ضد الفلسطينيين؟ هل سمعتم عن رجل دين يهودي رأى ما يحدث من قتل وتهجير وسرقة، وما يدور في فلكه أمراً يستحق الوقوف عنده؟ لم نسمع ولن نسمع لسبب بسيط هو الإيمان وجوهر اليقين، فعندما يرى أحدنا أنه يملك الإيمان واليقين صار الآخر على طرف نقيض من الإيمان واليقين، وفي هذه الحالة صار مستباحاً، ولا يسأل عن إيمانه ويقينه! يكفي أنه تعارض مع القوي في إيمانه، ولن أدخل في تفاصيل الاستباحة والقتل لخلاف على أمر أقل من الشرع بكثير، فهذا من أجل تبغ، وذاك من أجل زينة، وثالث من أجل خمر، ورابع ووو.. ألا تذكرون الأطفال الذين قطعت رؤوسهم على النطع لمجرد انتمائهم، أو لأنهم يلعبون ويلهون ويصرخون؟ ألا تذكرون ما تبرع به منذ أكثر من عقد أحد المتشددين المصريين بتسميم خط من خطوط المشروبات الكحولية في مصر ما أدى إلى موت عدد كبير، وإصابة عدد آخر إصابات خطيرة، وقيدت العملية ضد مجهول، ذلك لأنه يملك الإيمان واليقين بحرمة المشروب، ولا يكتفي بذلك، بل يريد قتل كل من يشرب، حتى وإن كان إيمان ذاك لا يمنعه من الشراب، بغض النظر عن الآثار الصحية والاجتماعية.
ألا نذكر كيف تم تهجير عرق ودين من البلقان؟ ألا نذكر المذابح والمقابر الجماعية عبر التاريخ الطويل، وفي تاريخنا الحديث على وجه الخصوص، من دير ياسين إلى سربرنيتشا وسواها، كلها تحولت إلى ذكرى وورد ولوحات، ووحدها التي تدعى بالمحرقة اليهودية في الحرب العالمية تحولت إلى رمز لا يغادر مسرح الحدث، لأن اليهود يملكون القوة والمال، إن المذابح ولو كانت فردية مدانة ضد الإنسان مهما كان شرعه أو دينه أو قوميته أو عرقه أو مذهبه أو طائفته أو لونه أو بلده.. ومن المؤكد أننا ضد ما حصل من اضطهاد لليهود عبر التاريخ، لأن الإنسان من حقه أن يحيا في وسط لو خالفه الرأي، وأن يمارس حياته بطريقته، ولعل أهم ما يجعلنا ندين ما حصل مع اليهود، بأي طريقة حصل، لأنه هو الذي مهد الطريق أمام أنبياء إسرائيل الجدد ومتموليها للبحث عن وطن ذرائعي لهم، وما بين سيبيريا وأوغندة وفلسطين، اختاروا فلسطين؟ ولكن هل بحثنا عن الأسباب التي جعلتهم يختارون فلسطين دون سواها؟ إنه الإيمان إنه اليقين؟
لو ذهب اليهود الصهاينة إلى أي مكان في العالم لن يجدوا مسوغات هذا الذهاب كما وجدوها في فلسطين، ففلسطين فيها شعب يهودي، ومصر إلى جوارها، وموسى وسيناء، وغير ذلك مما جاء في التوراة وفي التراث اليهودي الديني، وفي القرآن رحلة موسى مدونة، فالذرائعية بالمكان أوجدوها، وطرائق الدفاع عنها ملكوها، ولعل أهم طريقة كانت في القوة والمال، وليس أهم من اليهود تحكماً بالمال والقوة في حياتنا، أضف إلى ذلك ممالك الإعلام والفكر التي تعجز عن فهمها في قرون متطاولة.
لا أريد أن أدخل في مناقشة سياسية أو دينية كما قد يتهيأ، لكن ما أريد أن أقف عنده هو مسألة الإيمان واليقين بهذا الإيمان، ومن المفروض أن يغدو الإيمان لبناء حياة الإنسان بشكل أفضل، وأنا ممن يرون بأن الشرائع إنما وجدت لخدمة الإنسان وتنظيم حياته بكل ميدان وفي كل مجال من المجالات، أنت عندما تبلغ الإيمان من المفترض أن تنعتق عن الدنيا، وعندما تصل اليقين تبلغ أعلى الدرجات، أما قال الإمام علي كرم الله وجهه: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) والمراد هنا أن اليقين أعلى مرحلة من الإيمان، ولكن إيمان الإمام علي الكبير والعميق والصادق جعله في مرحلة اليقين من دون أن يكشف له الغطاء ويطلع على الغيب، أو من دون أن يتجاوز إلى اليقين.
الشرائع تنظيم لحياة الإنسان لا قتل له.
الشرائع تكريم لانتماء الإنسان لا فرز.
الشرائع وقائع جغرافية وتاريخية لا دخل للإنسان في اختيارها.
الشرائع حب ولا يؤخذ باجتهادات البشر لتحويلها.
أعود إلى الإيمان واليقين، فمن بلغ مرحلة الإيمان تجاوز، ومن وصل مرحلة اليقين اتحد مع صاحب اليقين، فماذا يجري منذ أزمان، وظهر جلياً في زماننا؟!… القتل باسم الإيمان!
القتل باسم الرب!… القتل باسم اليقين!
الهتك باسم الاختلاف!
أما علّمنا الإيمان أن التعدد ضرورة؟ أما علمنا اليقين أنه جوهر، والجوهر يزرع حيث يشاء؟!
تذكر المدونات أن غاندي تعرض للقتل، وعندما عرف القاتل عفا عنه، هل فعل هذا لأنه لا يحمل يقيناً ولا يحمل إيماناً؟! كيف فعل هذا وهو لا يتبع عقيدة سماوية كما نرى؟ فعل ذلك لأن الإيمان ليس ملكاً للأديان، وإنما الإيمان ملك للإنسان، وكلما ارتقت إنسانية الإنسان وإيمانه بالإنسانية وصل إلى اليقين… لذلك عجزت بريطانيا وكل خصوم الهند وغاندي عن النيل منه ومن إنسانيته، لأنه حاز يقيناً مطلقاً بالإنسان وبالحياة، حتى بريطانيا لم يجابهها.. نجا غاندي في رقدته بإنسانيته، لذلك رأينا دراسات عدة تحاول أن تجعله مسيحياً يتبع المسيحية، وهناك من يريد أسلمته، لكن غاندي كان أكبر من التصنيف… كان إنساناً… نجا بموته وبالهند، وسقط الآخرون، وصاروا بلا جناح، مهما طبلنا لهم ولانتمائهم، بقي غاندي أبو الهند.
فلنبحث عن إنسانيتنا، ولنترك اليقين… لو أراد اللـه كشفه لكشفه لمن هو أكرم منا… اليقين الوحيد الذي وصلنا إليه هو الزعم بأننا على حق… وامتلاك الجرأة في قتل الآخر وامتلاك ما ليس لنا.