الذكرى الـ87 عند آل سعود

| عبد المنعم علي عيسى

مختلفة كانت الذكرى السابعة والثمانون للعيد الوطني السعودي عن مثيلاتها الست والثمانين السابقات، وما جرى هو أمر يجب التوقف عنده، فإن تخرج الاحتفالات والدبكات هكذا إلى العلن، وأن تطلق الألعاب النارية في جو يخرج عن «الرتم» العام، فذاك أمر ليس عاديا في مملكة كانت حتى الأمس القريب تمنع الاحتفال فيما عدا العيدين الأضحى والفطر، بل وحتى الاحتفال بذينك العيدين كان ذا طابع آخر مغاير، والشاهد هو أن قوات الأمن السعودية كانت قد داهمت أواخر العام 2015 شقة سكنية في الرياض بذريعة أن الموجودين فيها يقيمون احتفالا بعيد رأس السنة الميلادية واقتيد الجميع إلى القضاء لينالوا أحكاما تتراوح ما بين 6 أشهر وعامين.
يبرز هنا سؤال هام هو: هل ما يجري الآن في المملكة، أي احتفالات العيد الوطني في 24 ايلول وقرار الملك السعودي السماح للسعوديات بقيادة السيارة والصادر في 27 أيلول، هو نتيجة حالة احتياج داخلية اضطرت القيادة إلى التناغم معها، أم أنه جاء نتيجة حالة الانصياع لضغوط الخارج التي بدت مؤخراً بدرجة لا تحتمل؟
من الواضح أن المملكة اليوم تتعرض لضغوط خارجية قصوى غربية وأميركية بشكل خاص، وقد ظهرت بشكل فاقع إبان زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض أيار الماضي، فالرجل كان قد أخذ على عاتقه الانتصار لحقوق الإنسان عالميا وتوسيع هامش الحريات ما يشكل دعما كبيراً لبرنامجه الانتخابي، وليس هناك من حقل تجارب أفضل من الخليج في هذا السياق، ما دعاه إلى ممارسة أقصى الضغوط على «حلفائه» لمنحه تلك الفرصة، حتى إنه اعتبرها شرطاً لازما لاستمرار متانة العلاقة الأميركية معهم، صحيح أن ما يجري تم تسويقه على أنه يندرج في سياق رؤيا السعودية 2030 التي أطلقها ولي العهد السعودي قبل سنتين وقيل إنها جاءت كمفرز طبيعي لانتقال السلطة من جيل الأبناء إلى جيل الأحفاد، إلا أن المؤكد هو أن تلك السياقات لم تكن نتيجة لحالة ارتقاء المجتمع درجة على سلم التطور الاجتماعي والثقافي، وهي التي أنتجت حالة ضاغطة اضطرت السلطة إلى التماشي معها، فقد شكلت حالة الزواج الإنجيلي، أي الذي لا طلاق فيه، ما بين السلطتين السياسية والدينية في المملكة أساساً لاستمرار وحدتها وضمانا لاستمرار عرش آل سعود، ومن المؤكد أن انهيار أحداهما سيؤدي إلى انهيار الأخرى، واستطاعت الأخيرة، أي السلطة الدينية، القيام بدورها بشكل متقن عبر إنتاج مجتمع متقوقع ومحافظ إلى حد التزمت، الأمر الذي جعله ميالا أكثر لمقاومة التغييرات أياً تكن بما فيها التغيير السياسي، وهو ما شكل داعما قويا لحالة الأمن والاستقرار الداعمة للسلطة السياسية التي استندت أيضاً إلى حالة اقتصادية كانت مريحة جراء ارتفاع أسعار النفط الذي كان قد لامس ما قبل عام 2015 حدود 100 دولار للبرميل الواحد، وذلك قبل أن تدخل المملكة أواخر هذا العام الأخير طرفا في حرب شنتها واشنطن على الاقتصاد الروسي وتوجيه ضربة قاصمة له عبر الوصول ببرميل النفط إلى حدوده الدنيا المتاحة حتى لامس قبل أشهر من اليوم حدود 25 دولاراً للبرميل.
صحيح أن تلك الحرب قد أدت إلى خسائر كبرى للاقتصاد الروسي، إلا أنها أدت أيضاً إلى حالة انكماش قصوى عاشها الاقتصاد السعودي ولا يزال، وما كان للرياض أن تذهب إلى ما ذهبت إليه، وهي على الأرجح ستعزز السير في هذا المسار لاحقا، لولا وجود دلائل تصل حد اليقين وتشي بقرب ارتفاع أسعار النفط بدرجة غير مسبوقة، حيث تشير التقديرات إلى أنها سوف تلامس 70 دولاراً للبرميل الواحد، ما سيشكل وفرة مالية قادرة وكافية لردم الثغرات التي ستخلقها القرارات السياسية المشار إليها أعلاه في البنيان والتركيبة السعوديين، أما التأكيدات فهي تتأتى من عزم الصين على استبدال عقودها الآجلة للنفط، وهي ثاني مستورد عالمي، من الدولار إلى اليوان، واعتماد الذهب كعملة رئيسية، وهو ما سيؤدي إلى تغييرات جذرية في الاقتصاد العالمي برمته ولسوف تدفع بالنفط، كما يقول محللون اقتصاديون، نحو صعود أسعار صاروخي يمكن له أن يشكل رافعة لما يجري في المملكة.
مهما كانت السياقات، وفي أي مسارات سارت فيها، فإن من المؤكد أن القرارات الأخيرة قد أدت، وستؤدي، إلى حالة انقسام عمودية حادة ما بين تيارين اثنين الأول مؤيد والثاني معارض، أما ما يخص موازين الثقل ما بين التيارين وإلى أي كفة يتجه رجحان الميزان فالراجح أن الحالة الاقتصادية هي التي ستحدد بدرجة كبيرة تلك المسألة، فإذا ما تحسن الاقتصاد السعودي كما هو متوقع فإن الكفة ستميل لصالح التيار الأول المؤيد في مواجهة التيار الثاني المعارض، وهو الأمر الذي يفسر ترك مسافة 9 أشهر تفصل ما بين إصدار القرار وبين تطبيقه في حزيران المقبل، هذا بالإضافة إلى أن هذه الأخيرة تعتبر بمثابة مرحلة جس نبض يمكن من خلالها معرفة ردود الفعل المباشرة في هكذا مسار.