تحالف المقاومة ينهي «إستراتيجية البريغيريا»

| تحسين الحلبي 

حين وضع بن غوريون الخطوط العريضة لإستراتيجية إسرائيل الإقليمية من أجل المحافظة على وجودها، كان قد حدد أهمية وحيوية وضرورة أن تكون الدول أو الأطراف المجاورة للدول العربية مثل إيران وتركيا وإثيوبيا، متحالفة مع إسرائيل لاستغلالها ضد الدول العربية المجاورة لها مثل العراق وسورية، شمال فلسطين المحتلة ومصر والسودان في جنوبها.
وبقي قادة إسرائيل مطمئنين لفعالية هذه الإستراتيجية الإقليمية إلى أن انتصرت الثورة الإيرانية وأسقطت شاه إيران حليف إسرائيل، وتحولت الجمهورية الإسلامية إلى صفوف الدول التي تجابه إسرائيل وترفض وجودها، وبقيت تركيا وحدها في هذا الجوار غير العربي على صلة وعلاقات جيدة بإسرائيل.
في أعقاب التطورات التي حملتها الحرب الإرهابية الكونية على سورية بدأت الظروف التي ولدها صمود سورية وانتصارها الميداني على المجموعات الإرهابية تفرض وقائع جديدة على وضع تركيا خصوصاً بعد أن أصبح المحور الإقليمي للمقاومة الذي تشكله سورية وإيران والمقاومة اللبنانية، وتقاربه مع العراق، أكبر قوة إقليمية تمتد من طهران حتى دمشق مروراً ببغداد.
أصبحت قواعد اللعبة «الأردوغانية» نسبة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ بداية الحرب على سورية، عاجزة عن تحقيق أهداف أردوغان ضد سورية، وانتقل الوضع التركي إلى أسوأ درجاته على المستوى الداخلي وفي العلاقات الخارجية مع أوروبا وواشنطن، ولم تعد إسرائيل تعول على قوة تركيا في المحافظة على إستراتيجية «البريغيريا»، أي الدولة الحليفة لإٍسرائيل ضد الجوار العربي، وهذا ما يشير إليه بوضوح «معهد أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي «INSS» في دراسة نشرها في 24 أيلول 2017 بعنوان: «التقارب في العلاقات بين إيران وتركيا ومضاعفاته الإقليمية المهمة على إسرائيل».
فقد رأت سيما شاين وغاليا ليندينشتراوس، والأولى من أهم من عمل في الموساد والمخابرات في قسم الأبحاث، أن تزايد درجة التعاون بين إيران وتركيا بعد سنوات من الخلافات وخصوصاً حول سورية التي تدعم إيران رئيسها، بينما تدعم تركيا المجموعات المسلحة ضده، أصبح يشكل مصدر قلق وخطر على إسرائيل في المنطقة خصوصاً بعد زيارة رئيس الأركان الإيراني لأنقرة.
وتعترف الدراسة الإسرائيلية بأن نجاح طهران وموسكو في تقديم الدعم للرئيس بشار الأسد وما حققه على الأرض، شكل سداً أمام أوهام أردوغان بالنيل من سورية وتحقيق مطامعه فيها، بل إن تقاربه مع طهران أصبح يولد تقارباً أكثر مع موسكو التي تشكل الحليف الدولي لمحور طهران دمشق حزب اللـه، وهذا من شأنه زيادة مصادر القلق الإسرائيلي وتخفيض درجة الاعتماد على الدور التركي في السياسة الإسرائيلية.
يبدو أن تشجيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بالإعلان عن استفتاء انفصال الإقليم واعتراف إسرائيل بهذا الانفصال، أصبح آخر الأوراق التي تراهن عليها إسرائيل في مناطق الجوار السوري والعراقي.
ولذلك توجه المعارضة الإسرائيلية لحزب الليكود الحاكم اللوم لسياسة نتنياهو التي تحدثت عن وجود فرص كثيرة لتفتيت سورية والعراق في ظروف الحرب الإرهابية التي دعمتها إسرائيل ضدهما، ثم تبين الآن أن قوة سورية على الأرض وبحلفائها الإقليميين ماضية نحو التزايد نتيجة نجاح الدور الإقليمي لحليفيها الإيراني والروسي في تهيئة مناخ إقليمي تتبوأ فيها سورية دوراً قوياً في ظل الشلل الذي بدأ يصيب إسرائيل في علاقاتها مع حلفائها التاريخيين في المنطقة وعجزها عن تشكيل حلف ضد هذا المحور كانت قد دعت إليه.
السعودية لم يعد لها دور مؤثر داخل مجلسها التعاوني الخليجي بعد نزاعها مع قطر وانحياز تركيا لقطر، ولم يعد بمقدورها ممارسة الضغط على المملكة الأردنية التي بدأت تعلن عن رغبتها بإعادة وضع حدودها مع سورية إلى ما كانت عليه قبل الحرب على سورية، ولم تبق لإسرائيل ورقة ضغط على مصر سوى وجود مجموعات داعش والقاعدة في سيناء، ولذلك يقوم نتنياهو في هذه الظروف بالإعلان عن تهديداته ضد سورية وإيران في وقت قل عدد المتجاوبين معها في المنطقة وفي أوروبا.