من دفتر الوطن – تواصل اجتماعي..!

| عصام داري 

توقفت عن متابعة الرسائل الواردة لي على «الواتس» قليلاً لأتابع المشهد المرتسم حولي في تلك السهرة التي جمعتني ببعض الأقارب والأصدقاء، وهي سهرات صارت نادرة في هذا الزمن لعدم قدرتنا على توفير مستلزمات السهرات من فاكهة وحلويات ومكسرات وسواها.
وسأسمح لنفسي بإفشاء أحد أسرار تلك السهرة، مع أن ما سأقوم به صار أمراً عادياً وروتينياً ومتكرراً في مجتمعنا هذه الأيام.
أخذت حرمنا المصون إحدى زوايا الصالون، وراحت تتحادث مع شقيقتها في الرياض عبر «الفايبر»، على حين استطاعت جارتنا الاتصال عبر «الواتس» مع شقيقها في مدينة الرقة رغماً عن أنف داعش، على حين جلست قريبتنا الصبية قرب النافذة المطلة على الشارع، وبدأت حواراً يحمل الكثير من المشاعر الجياشة والحميمية مع زوجها في السويد، وتخبره بالخطوات التي قامت بها لاستكمال إجراءات عملية لم الشمل، أما ابني فقد انزوى في ركن قصي وهو يلعب على «بلي ستيشن»!.
هذه الصورة نقلتها بأمانة تامة، وهي صورة مستنسخة عن كل السهرات المشابهة هذه الأيام.
الغريب أن كل تلك «البرامج» التي استخدمت في سهرتنا الميمونة تسمى «سوشل ميديا» أو التواصل الاجتماعي، فكيف تكون كذلك ولم نتواصل في غرفة واحدة طوال السهرة إلا ما ندر، ولم نتبادل الأحاديث، وربما كانت كلمات مجاملة قليلة هي التي سمعناها طوال تلك الساعات؟
كيف ندعي أن ما نقوم به عبر الفيسبوك والفايبر والتويتر والواتس هو تواصل اجتماعي ونحن لا نتواصل رغم أن المسافة التي تفصل بين الشخص والآخر لا تزيد على نصف المتر؟
نستطيع عبر هذه المواقع أن نقيم علاقات صداقة افتراضية، بل نستطيع أن نقيم علاقات صداقة حقيقية، فنجتمع فرادى أو جماعات «غروبات» في هذا المقهى أو ذاك المطعم، لكننا لا نستطيع كسر الجليد المتراكم بيننا والمسافة لا تتعدى المتر يزيد أو يقل قليلاً.
لكن المصيبة أن التكنولوجيا الحديثة شطبت العلاقات الإنسانية، وألغت المشاعر والأحاسيس، بل إن هناك دراسات تقول: إن الريبوتات ستحتل مكان الإنسان في معظم الوظائف مع حلول العام 2050، أي سيتم الاستغناء عن خدمات البشر مع كل ما يعنيه ذلك من ازدياد هائل في البطالة، ومن ثم الفقر والجوع.
هل هذا هو العالم الذي حلمت به البشرية على مدى تاريخها؟ وهل هذه هي ضريبة الحضارة التي على البشرية أن تدفعها، على الرغم مما يعنيه ذلك من سقوط القيم والمبادئ الإنسانية، وتقديس الآلة وتهميش الإنسان؟
الذكاء الصناعي أصبح قادراً على القيام بكثير من الأعمال التي كانت حكراً على البشر، لكن هؤلاء البشر الذين طوروا التكنولوجيا، وأوجدوا هذا الذكاء الصناعي لم يتصوروا يوماً أن هذا الذكاء سيتفوق عليهم ويحل محلهم ويلغي دورهم ويستغني عنهم، ويشكك في أسطورة التفوق البشري!.
مهما كانت وجهات النظر في هذا الموضوع، فلن أتخلى عن رؤيتي وإيماني المطلق بالإنسان والمشاعر الإنسانية الراقية، وفي مقدمتها الحب، لأن الآلة تستطيع أن تتفوق على الإنسان في كل شيء، لكنها لن تشعر يوماً بلذة الحب.