جبهة النصرة تحت النار

| عبد المنعم علي عيسى

ما يجري الآن في العراق يعني أمرين اثنين: الأول هو أن الأميركيين قد أقلعوا تماماً عن فكرة استخدام الجغرافيا السورية كمنصة لتفجير المنطقة برمتها، وهي رؤيا كانت قد بدأت مع عاصفة السوخوي في 30 أيلول 2017، ومن ثم تبلورت أكثر من خلال جولات أستانا الـ6 حتى الآن، والثاني هو أن الحالة السابقة كانت قد فرضت العودة إلى إدراج الماضي والعمل انطلاقاً من الجغرافيا العراقية لإنجاز تلك المهمة أي العودة إلى منطلقات الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
ما انفكت واشنطن تتلاعب بديموغرافيا المنطقة كمقدمة لتغيير الجغرافيا، ولطالما استطاعت أن تحقق العديد من النجاحات، فبعد استبدال إسرائيل، العدو الأساسي الذي يتهدد المنطقة في هويتها الثقافية والدينية، إلى عدو آخر بديل هو إيران، تبدو المهمة الأميركية الراهنة تمضي نحو إثارة صراع عرقي قومي يكون العراق ملعبه، وهو، أي ذاك الصراع، منفتح في تداعياته على الجنوب والغرب، أي الخليج والسعودية، ومنغلق في الآن ذاته على شماله وشرقه أي سورية وتركيا.
في التطورات المحتملة في العراق، لا يبدو الأميركيون معنيون بإيصال الأزمة إلى مراميها الكردية، بمعنى الوصول إلى قيام دولة كردية، فالمطلوب الآن هو الوقود اللازم لإنضاج «الطبخة» وفي ظل المؤشرات الأولى لما بعد استفتاء 25 أيلول والتي كشفت عن حالة حرج صحي يعانيه الوليد «الخديج»، كما بدا واضحاً أن هذا الأخير يسهل خنقه أو حتى حبس الهواء عنه، وهي حالة فيما لو استمرت فإنها ستكون أصعب بكثير في تداعياتها على المدى القصير والمتوسط من العمل العسكري، وإن كان من المشكوك فيه أن تستمر في ظل السياسات التي يتبعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المعروف بتقلبه من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال إذا ما اشتم رائحة المنفعة الاقتصادية، وهو مؤشر يؤكد أن الرجل تغلب الحالة النفعية على استراتيجياته التي يعتمدها، بل وفي أي سياق كانت لكأنما تصيبه بحالة عمى سياسي لا يستطيع عبره تلمس المخاطر أو معاينتها، وهي بالمناسبة ليست جديدة أو أنها نتاج لاختلاط المعطيات بدرجة كبيرة في المنطقة، وقد اتضحت بوادرها منذ عام 2003.
في ظل كل تلك المحددات تبدو الأمور متجهة نحو مفاوضات بين بغداد وأربيل طالما أن الحسم العسكري ممنوع، وهي ستفضي إلى كيان ذي استقلالية كبيرة وأكبر بكثير من تلك التي حصل عليها عام 2003 على كبرها، لكنه لن يحظى باعتراف دولي، وفي الآن ذاته قيام لا مركزية مالية، لأن هذي الأخيرة هي لب المشكلة، وبمعنى آخر سيطرة الإقليم بدرجة أكبر على موارده وثرواته الأمر الذي يمكنه من أن يختط طريقاً في مسار تطوره، كما يدعي، مختلفاً جذرياً عن الكيان الأم دون انتظار لـ17 بالمئة التي خصصها للإقليم دستور الحاكم الأميركي المدني للعراق الأميركي بول برايمر بين عامي 2003-2004، من إجمالي ميزانية الحكومة المركزية ببغداد، ولربما كانت الخطيئة الكبرى للحكومات العراقية المتعاقبة هي في عدم مراجعة ذلك الدستور الذي احتوى على العديد من ألغام التفجير وما الأزمة مع إقليم الشمال إلا واحدة منها.
هذا المسار العراقي لا يبدو بعيداً عما تشهده المملكة السعودية في هذه الآونة، والذي يعتبر وليد الضغوط الأميركية بالدرجة الأولى، فواشنطن تأمل من وراء دفع المملكة نحو «غلاسنوست» سعودية بأن تؤدي هذي الأخيرة إلى تغليب «قوى الانفتاح» على «قوى التعليب» عبر بروز طبقة برجوازية ليبرالية تكون مرتبطة بنيوياً بالحضارة الغربية والحكومات الممثلة لها، وهي لا تملك خيار الابتعاد عنها تحت أي ظرف كان، ولربما يقول قائل هنا، والقول صحيح، إن النظام السعودي كان على امتداد العقود الثمانية الماضية، عمر قيامه، طوع بنان الإملاءات الأميركية في كل شيء وهي كانت كذلك فعلاً، إلا أن المحافظة على تلك الحالة وضمان ديمومتها كانت عملية مكلفة اقتصادياً بدرجة كبيرة انطلاقاً من أن الأنظمة الخليجية كانت أشبه ببقعة زيت تعوم فوق بركة ماء، بمعنى ضيق قاعدتها الشعبية، ما يجعل من استمرارها رهن الدعم الأميركي والغربي عموماً، ولذا فإن بروز تلك الطبقة يمكن له أن يرمي عن عاتقها حملاً ثقيلاً وفي الآن ذاته تبقى المكاسب المستحصلة هي نفسها.
في الغضون وتأكيداً لفرضيتنا السابقة بدت رواسب الشوائب الناجمة عن كل هذا «العكر» العراقي الذي سيكون بالضرورة عابراً للحدود، باهتة كثيراً على الجانب السوري، وتداعياتها هي في حدودها الدنيا سواء أكان لجهة الدفع بالأكراد السوريين نحو استنساخ النموذج العراقي، ولربما أمكن القول إن غاية ما تتيحه الشروط الداخلية وكذا الخارجية في الحالة السورية، كان تصريح نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم قد اختصره أو هو صوره أفضل تصوير حين أعلن من نيويورك قبل أيام فقال: إن «دمشق منفتحة على مفاوضات فيما يخص الحكم الذاتي للأكراد السوريين»، أم لجهة المسار الذي تشقه الأحداث في سورية مؤخراً حيث يمكن وضع المرحلة الراهنة تحت عنوان عريض هو «فتح الشام» أي جبهة النصرة، تحت صلايا النار السورية الروسية، لكن من دون دعم أميركي هذه المرة وهي ستؤدي بها إلى تشظي تركيبتها سواء أكان عبر هروب مقاتليه إلى خارج البلاد أو استسلامهم وانضمامهم إلى العملية السياسية الجارية.
صحيح أن العملية العسكرية الحاصلة في إدلب كانت قد جاءت بتوافق تركي روسي جرى في أعقاب لقاء رئيسي البلدين مؤخراً، إلا أنها كانت ستحدث بدعم تركي أو بغيره، ولذا فإن هذا الأخير ليس أكثر من تسهيل إنجاز المهمة وأنقرة تحتاجه بدرجة أكبر بكثير من السوريين أو الروس، فالتوافق الأساس كان قد جرى قبل عامين بين موسكو وواشنطن والذي جاءت عاصفة السوخوي في أتونه، حيث كانت عملية فك الارتباط الأميركي الإخواني التي أعقبت حادثة اغتيال السفير الأميركي جي كريستوفر ستيفنز في القنصلية الأميركية في بنغازي في الحادي عشر من أيلول عام 2012، هي التي مهدت لتفويض أميركي ستعطيه واشنطن لموسكو بعد ما يزيد قليلاً عن عام من ذلك التاريخ الأخير، أما ما يخص الدعم الأميركي المقدم لشتى التنظيمات الجهادية أو التكفيرية فيما بعد ذلك التفويض، فهو لا يعدو أن يكون استثماراً مرحلياً فرضته التوازنات القائمة في الداخل السوري.
إلى اليوم ليس من الواضح ما الأسباب الحقيقية التي دفعت بواشنطن نحو التحالف مع الإخوان المسلمين على اختلاف مسمياتهم مطلع عام 2011 فصاعداً، ولا يمكن لفكرة تسويق النموذج الإسلامي التركي «المعتدل» في المنطقة، أن تكون أمراً مقنعاً أو حاسماً في هذا السياق، لأنها أصلاً فرضية ضعيفة وفيها الكثير من الثغرات من أبرزها هو أن تلك العملية المفترضة فيما لو حدثت كانت ستؤدي إلى هيمنة تركيا على المنطقة العربية ومن شأنها أن تؤدي إلى اختلال كبير في موازين القوى الإقليمية لا تريده أميركا ولا تل أبيب بالتأكيد، كما لا يمكن القبول بفرضية تقول إن واشنطن كانت ترى في الإخوان قوة شعبية كبرى وهي الأكثر تنظيماً وانضباطاً وبالتالي ستكون الأكثر قدرة على أن تمسك أميركا بالمنطقة من خلالهم، أي أن تمارس السيطرة بالإنابة بدلاً من الحضور المباشر، فتاريخ العلاقة الأميركية بالتنظيمات الإسلامية ليس مشجعاً ولا هو يدعو إلى تكرار التجربة، ثم إن تلك التنظيمات ما انفكت تعلن في أدبياتها أن أميركا هي «الشيطان الأكبر» الذي لا يكبره أي شيطان آخر.
من المؤكد أن للتحالف الأميركي الإخواني دوافع أخرى ليست معلنة أو هي لم تتكشف بعد، وستبقى برسم السنين المقبلة أو لربما الأسابيع أو الأيام اللاحقة في ظل وجود وثائق «ويكيلكس» التي استطاعت أن تختصر المدة الزمنية اللازمة للكشف عن تلك الوثائق منذ 30 سنة وهي ما تحدده القوانين الأميركية إلى أشهر أو حتى أسابيع تحددها عوامل عديدة هي غاية في التعقيد.