نصر اللـه ليهود إسرائيل: ارحلوا

| بيروت – محمد عبيد 

اعتاد الأمين العام لحزب اللـه حسن نصر اللـه أن يُطلِق عناوين سياسية نوعية في توقيت محسوب بدقة، وكمؤشر على الانتقال إلى مسار عسكري سياسي تصاعدي يقلب موازين القوى ويُثَبت معادلات جديدة في مستقبل الصراع ضد العدو الإسرائيلي.
فمن «إسرائيل هذه أوهن من بيت العنكبوت» إلى «ما بعد ما بعد ما بعد حيفا» إلى مواقفه الأخيرة التي أعلنها منذ أيام قليلة في ذكرى عاشوراء في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي حملت أكثر من عنوان إستراتيجي يطال الداخل الإسرائيلي، يؤكد نصر اللـه من جديد أنه قبل وبعد تسجيل الانتصارين الأبرزين على العدو في العامين2000 و2006 صارت إدارة أي حرب ضد هذا الكيان وجيشه لا تقتصر فقط على الجانب العسكري والاستخباراتي بل توازيه وتتعداه إلى الجوانب الإعلامية والنفسية التي تؤسس لهزيمة العدو المعنوية قبل هزيمته العملية.
سعت إسرائيل منذ اليوم الأول لانطلاق مقاومة حزب اللـه إلى محاولة الفصل بينها وبين بيئتها الشعبية الحاضنة ومن ثم عزلها كي يسهل القضاء عليها، وذلك عبر ترهيب هذه البيئة وتحميلها مسؤولية دعم الحزب وحمايتها له من خلال التماهي التام معه حيث تكاملت هذه البيئة مع الحزب لتشكل مجتمعاً مقاوماً يستحيل التمييز بينهما، وهو معطىً اصطدمت به الإدارات الأميركية المتعاقبة ومعها الكونغرس الأميركي بأغلبياته وأقلياته مدعوم بمجموعات الضغط الصهيونية حين حاولوا ومازالوا يحاولون فرض عقوبات مالية تطال قيادات الحزب وكوادره وما يسمونه الشبكات المالية الداعمة له.
اليوم انقلبت الأدوار بعدما وضع نصر اللـه المداميك الأولى لمشروع عزل يهود العالم عن الكيان الإسرائيلي، وهم الذين يشكلون المخطط الأساسي لإنشائه، وهم الذين يعتبرون حالياً الرافد السياسي والاقتصادي والبشري لبقائه واستمراره وتمتعه بحصانات دولية.
هو إنذار أول وجهه نصر اللـه للمنظومة اليهودية الدولية الداعمة لحروب كيانهم العدوانية ضد شعوب المنطقة، يُحَملُهُم من خلاله المسؤولية عن دفع اليهود على اختلاف مواطنهم وجنسياتهم إلى أتون الموت في حال الاستمرار بتسيير رحلات نقلهم لتوطينهم في فلسطين المحتلة، وهو في العمق رسالة مزدوجة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ولرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو المندفع بالتهديد والوعيد نحو خطوة غير محسوبة النتائج تعيد خلط الأوراق إقليمياً وتهدف إلى إعادة صياغة تحالف إسرائيلي «عربي» علني هذه المرة يُجْهِزُ على ما تبقى من القضية الفلسطينية ويسقطها كعنوان نضال يستند إلى مشروعيته محور المقاومة، كما تتضمن هذه الرسالة بعداً ثالثاً وهو موجه إلى اللوبيات اليهودية التي تدعم الثنائي المذكور بأن خسارة إسرائيل لأي حرب عدوانية تشنها ضد هذا المحور إنما ستشكل تغييراً وجودياً وديمغرافياً وجغرافياً في أساسات إنشاء الكيان الإسرائيلي المصطنع.
هذا في وقت كثرت المعطيات المتداولة في الكواليس الديبلوماسية والسياسية الدولية والإقليمية حول رغبة قادة كيان العدو في تغيير قواعد الاشتباك القائمة في جنوب سورية من دون أي تفاهم أو تنسيق مباشر أو غير مباشر، وذلك بعدما عجزت إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية عن الحصول على تطمينات روسية تضمن الاستقرار الهش الذي تعيشه خطوط التماس مع جيش العدو على أطراف هضبة الجولان المحتل.
إن التحذير أو التهديد الذي وجهه نصر اللـه لنتنياهو وقادته العسكريين حول جهلهم لمدى اتساع ساحات الحرب التي يمكن أن يُشعِلوها وتعدد ميادينها وتنوع جنسيات المشاركين فيها، يشكل محاولة استباقية لكبح جماح تلك الرغبة وإشارة إلى المعادلة الجديدة التي يريد تثبيتها بأن دول وقوى محور المقاومة التي خاضت موحدة ومتكاملة حرباً ضروساً ضد الإرهاب التكفيري وداعميه، وهي التي على أبواب إعلان الانتصار عليه، ستكون أيضاً موحدة ومتكاملة في مواجهة أي عدوان قد تبدؤوه إسرائيل ضد سورية أو لبنان.. حالة الإنكار والتجاهل التي تعاطت بها قيادة العدو وبالأخص منها العسكرية والأمنية، إضافة إلى مراكز الدراسات والأبحاث الإستراتيجية لن تغير حقيقة أن حزب اللـه نجح سابقاً في نقل وقائع الحروب التي شنها الكيان الإسرائيلي ضد لبنان منذ عدوان عام 1993 وحتى تموز 2006 ليطال بعض الداخل في هذا الكيان، كما آلم شعبه بشكل مباشر من خلال ما سمي «إستراتيجية الصواريخ»، وهو اليوم جاهز ومستعد أكثر لتطال صواريخه وأسلحته النوعية ومنها الطائرات المُسيرة مناطق هذا الكيان بأكمله، حيث لم يعد هناك من ملجأ يحمي أياً من مواطنيه.
«يا يهود إسرائيل.. ارحلوا»، هو عنوان جديد تكتيكي وإستراتيجي في آن واحد أضافه نصر اللـه إلى العناوين السابقة، يمكن أن نتلمس بعض مفاعيله بعد استكمال الانتصار على داعش وجبهة النصرة والرعاة الدوليين والإقليميين لهما من واشنطن إلى الرياض.