هل يسحب ترامب ثقته بالنووي!

| بيروت – محمد عبيد

«سحب الثقة» هو التعبير الذي يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيستعمله في مقاربته للتعاطي مع الملف النووي الإيراني، على أن هذا التعبير الملتبس يمكن أن يُستشف منه أنه يُبقي الباب مفتوحاً بشكل موارب للحفاظ على هامش المناورة التفاوضية في حال الاضطرار للالتفاف على خطوة سحب الثقة المنتظرة في الخامس عشر من شهر تشرين الأول الجاري.
في الظاهر يُسَوق ترامب لخطوته المفترضة على أنها ضرورة لتحقيق المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية التي لم يؤدِ سعيها ومشاركتها وتوقيعها على الاتفاق النووي مع إيران إلى ضمان تحقيقها والحفاظ عليها، لكنه يعلم في الوقت ذاته أن سحب ثقة بلاده من هذا الاتفاق لن يدفع القوى الدولية المعنية الأخرى، التي سُميت «مجموعة 5+1» وكانت واشنطن واحدة منها أثناء عملية التفاوض التاريخية التي استغرقت سنوات عدة، إلى الإقدام على خطوة مماثلة لاعتبارات عدة أبرزها، أولاً: أن هذا الاتفاق صار قراراً أممياً يحمل صفة الإلزام المعنوي على الأقل بعدما تم إقراره بالإجماع في مجلس الأمن الدولي، ما يعني أن سحب واشنطن تصويتها عليه سيضعف مستقبلاً قدرتها على إلزام أي دولة أو جهة مستهدفة من قرارات مشابهة بالخضوع لهذه المرجعية التي من المفترض أن أبرز مهامها الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.
ثانياً: التزام إيران الدقيق والمدروس بكل معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن ثم بنصوص الاتفاق المذكور، الخالية من الروح، أسقط الذرائع التي كان من المحتمل أن يلجأ إليها ترامب لتبرير خطوته أمام المجتمع الدولي الذي يبدو أن ترامب أيضاً لا يعيره أي اهتمام، على الرغم من التحذيرات التي بدأت تطلقها بعض المنابر الإعلامية والصحفية الأميركية حول تداعيات خطوة ترامب التي ستؤدي بالتأكيد إلى عزل واشنطن بدل أن تعزل إيران.
ثالثاً: الشريك الأوروبي الذي أغرقه الجانب الإيراني بالتزامات استثمارية على حساب عروضات استثمارية صينية مغرية في بعض الحالات، مضطرٌ من منطلق مصالحه السياسية والاقتصادية معاً للحفاظ على التزامه بالاتفاق النووي، بل إن ذلك سيعيد إليه دور الوسيط الدولي من خلال مفوضيته للشؤون الخارجية بهدف إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بين الأطراف المتقابلة، وهو الدور الذي ستلعبه أيضاً الشركات الأوروبية لمصلحة بعض الشركات الأميركية التي سبق أن وقعت عقوداً كبيرة مع الحكومة الإيرانية حول تصنيع أسطول من الطائرات المدنية لمصلحة الخطوط الجوية الإيرانية.
رابعاً: التقارير التي جمعتها أكثر من جهة دولية تقنية واستخباراتية متابعة والتي يتم تداولها في كواليس السياسة الدولية، أكدت أن الاتفاق الموقع، ونتيجة الالتزام الإيراني المطلق والبارز بشروطه، سيمنع طهران من إعادة تكوين مشروع نووي عسكري مستقل قبل عشر سنوات في حال قررت ذلك، ومن ثم ووفقاً للرؤية الدولية التي بني عليها هذا الاتفاق فإن الحفاظ عليه وتعزيزه والتمسك بالالتزام بتلك الشروط يبقي إيران تحت سقف المشروع النووي المدني السلمي ولا يدفعها للتفكير بالعسكري.
خامساً: روسيا الاتحادية صارت اليوم شريكاً إستراتيجياً لإيران في ملفات متعددة تبدأ من التحالف المشترك والعميق الذي بات معمداً بالدم في الحرب على داعش وجبهة النصرة والمجموعات الإرهابية المرتبطة بها في سورية والعراق، ولا تنتهي في التحضير المشترك لمواجهة مساعي واشنطن لإشغال هذين الحليفين في مواجهات مماثلة في أفغانستان انطلاقاً من الجارة باكستان أو في بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق ذات الأغلبية الإسلامية، ومن ثم فإن المصالح الروسية الإستراتيجية في المنطقة والعالم باتت معنية بالحفاظ على الاتفاق النووي وبالتزام طهران به باعتبار ذلك يُشكل مادة سياسية وإعلامية ودعائية تسمح لموسكو بالتفاخر أنها وحليفتها تلتزمان بالقرارات الأممية وبالمعاهدات الدولية على حين أن الند الأميركي هو من يخل بها وهو أيضاً من يهدد السلم والأمن الدوليين بسبب حماقته وتهوره. كما أن هذا الأمر سيؤدي إلى استعمال روسيا ومعها الصين حق النقض (الفيتو) في حال بلوغ اندفاعة ترامب حد طرح مشروع قرار على مجلس الأمن الدولي يطالب فيه بتغيير الاتفاق أو على الأقل بإعادة صياغته بما يتوافق مع المصالح الأميركية المستجدة.
يبدو أن ترامب قرر القفز فوق سياسة الاحتواء التي اعتمدتها إدارة سلفه باراك أوباما في مقاربتها للملف النووي الإيراني والانتقال إلى المواجهة المباشرة التي أرادها عدوان أساسيان ولدودان لإيران ولمحور المقاومة: الكيان الإسرائيلي والنظام السعودي، وهي مواجهة تنذر بتداعيات خطيرة على المنطقة والعالم ليس آخرها التماس المباشر مع قوى هذا المحور على طرفي الحدود العراقية السورية.