هل تتعظ حماس قبل فوات الأوان؟

| نعيم إبراهيم

عندما يتمنى نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري لسورية أن «تكون سندا كبيراً لفلسطين كما كانت عبر التاريخ» شارحا أنها «خرجت من معادلة التأثير في المنطقة»، فهذا ظلم لا تستحقه دمشق أبدا مهما كانت المبررات والذرائع.
لا شك أن العاروري وكل قادة حركة حماس يدركون أن ما تتعرض له سورية اليوم كما في السابق هو نتيجة تمسكها بموقفها المبدئي والثابت من القضية الفلسطينية ووقوفها مع مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني وتقديمها كل أشكال الدعم لهذه المقاومة على طريق تحرير فلسطين كل فلسطين.
العاروري أوضح الوجهة الجديدة للحركة بالقول إن «الخلافات بين الدول نتركها لهم ليحلّوها بأنفسهم، ونحن لا نبني علاقتنا بناءً على رغبات الآخرين»، على حين يرى البعض أن «الأمر لم يكن سهلاً على الحركة عندما اتخذت قرارها بمغادرة دمشق، ولكنه كان قراراً لا بدَّ منه»، والسؤال هنا: لماذا اتخذت حماس هذا القرار ولمصلحة من؟
الجميع على يقين أن دمشق لم تطلب من حماس أن تترك مقاومة الاحتلال الصهيوني وتتدخل في صراعات المنطقة، وأن تغادر الأراضي السورية، ومن باب الأمانة فإن قراءة حماس لجوانب المشهد السوري منذ بداية «الربيع العربي» كانت خاطئة وخطيئة كبرى، وشكلت، في الواقع، خسارة حقيقية للحركة، لأنها فُهمت وكأنها تحولات في سياق التحالفات، التي طرأت بعد هذا الربيع المزعوم أو التي استجدت بعد انتكاسته.
لم يعد خافيا على أحد أن البعض من حماس شارك في الحرب العدوانية على سورية وارتضى الارتماء في أحضان بعض الرسميات العربية الرجعية التي لها علاقات وثيقة مباشرة أو غير مباشرة مع العدو الصهيوني وهي تتدرج اليوم من السر إلى العلن في ترسيخ مؤامرة التطبيع على الصعد كلها مع هذا العدو.
بقيت سورية على الرغم من تكالب الضغوط والتهديدات والحرب الإرهابية الكبرى ضدها، قريبة من القضية الفلسطينية، لا بل ازدادت تمسكا بموقفها الداعم للشعب الفلسطيني في نضاله العادل رغم لهاث بعض قواه وراء سراب السلام المزعوم مع الاحتلال الصهيوني، والجميع يعلم أن الاحتلال والسلام نقيضان لا يلتقيان فوق أرض وتحت شمس.
إن تحرير فلسطين يتم بإشراك الجميع من أبناء الأمة العربية والإسلامية وقواها الحية وحركات التحرر في العالم وأصحاب الضمائر الحية في المجتمع الدولي وتحديد أدوارهم، وسورية، شعبا وجيشا وقيادة، كانت ولا تزال، رائدة في مواقفها ولم تتراجع قيد أنملة عن دعم فصائل الثورة الفلسطينية وكل القوى الفلسطينية المناضلة وإلا لما تعرضت لمؤامرة جديدة في وقت يستسلم فيه آخرون لأهداف المشروع الصهيوني الامبريالي الرجعي في المنطقة، وهم يواصلون راهنا تجارتهم للقضية الفلسطينية.
هنا نستذكر ما قاله الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة أحمد جبريل: «إن همّنا كان ولا يزال أن تكون سورية قويّة لتكون قاعدة لتحرير فلسطين»، وأن الأمين العام لحزب اللـه حسن نصر اللـه قال لجبريل: «إن ذهبت سورية ذهبنا جميعاً»، موضحاً أن «ما يتمّ اليوم هو محاولة تدمير سورية لا احتوائها»، وأن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو «أعرب عن خوفه من تقوية الجيش العربي السوري فيتمكّن من تحرير الجولان».
لاشك أن حماس ستبقى في أسوأ حالاتها، إذا لم تتراجع بشكل واضح عن خطيئتها بحق سورية ومحور المقاومة في المنطقة، وعليها أن تملك حدا كبيراً من قراءة الواقع وأن تكون على يقين أن هذا المحور سوف ينتصر على مؤامرة الربيع العربي والفوضى الخلاقة ومشروع الشرق الأوسط الجديد، رغم الرغبة الأميركية الصهيونية باستنزاف الجميع على الساحة العربية.
يجري حديث الآن حول انتقال حماس من مرحلة «جسّ النبض» في شأن إعادة العلاقة مع سورية إلى مرحلة أكثر عملية، لذلك على قادة الحركة أن يدركوا تماما أن سورية لم تخرج من معادلة التأثير في المنطقة وهذا ما ستثبته تطورات الراهن والآتي ميدانيا وسياسيا بدعم من حلفائها الذين ما تخلوا عنها في محاربة الإرهاب الصهيوني الأميركي وأدواته، فهل تتعظ حماس قبل فوات الأوان؟