أميركا وسقوط الهيبة

| فارس رياض الجيرودي 

يقول قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري: «إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس مجنونا لكنه يمثل دور الجنون»، في الواقع تذكرنا تهديدات ترامب بشأن الاتفاق الذي وقعته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مع إيران، والتصعيد اللفظي غير المسبوق الذي مارسه فيما يخص أزمة شبه الجزيرة الكورية، بالخطابات العنترية للقادة العرب في الستينيات تجاه الكيان الصهيوني، فالخطاب الأميركي مفعم بنبرة عالية من الوعيد، لكنه متلازم في الوقت نفسه مع عجز تام عن الفعل.
لقد استنفر الرئيس الأميركي العالم انتظاراً لما كان يعتقد أنه سيعلنه في خطابه فيما يخص العلاقة مع إيران، ليأتي الخطاب أخيراً مملوءاً بتعداد سلبيات الاتفاق التي سبق أن فصلها ترامب طوال عام كامل من حملته الانتخابية وعام آخر تقريباً من حكمه، من دون أن يعلن الانسحاب من الاتفاق من طرف واحد، وهو ما تتيحه له بسهولة صلاحياته الرئاسية، لقد ألقى ترامب بدلاً من ذلك بكرة الاتفاق النووي في ملعب الكونغرس لإعادة تقييمه مع إدراكه التام أن ليس في الكونغرس من يجرؤ على إلغائه، بالنتيجة لن تفرض أميركا أي عقوبات جديدة على إيران حتى إشعار آخر، وستبقي التزامها العملي بالاتفاق الذي اعتبره ترامب الأسوأ في تاريخ أميركا.
على التوازي أطلق الرئيس الأميركي سيلا من التهديدات تجاه كوريا الديمقراطية في حال تجرأت على إجراء تجربة نووية جديدة، بل إن الخطاب الرسمي الأميركي وصل حداً غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية عندما هدد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس صراحة بإبادة ذلك البلد، وقال في 3 أيلول 2017: «نحن لا نسعى إلى إبادة كوريا الشمالية، ولكننا نملك العديد من الخيارات لفعل ذلك»، كما نقل عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام في الأول من آب الماضي عن ترامب تصريحا غاية في الجنون والتخلي عن أي قناع أخلاقي، وقال: «إن كان الآلاف سيموتون، فهم سيقضون هناك في شبه الجزيرة الكورية، هم لن يموتوا هنا، لقد أخبرني ترامب ذلك وجهاً لوجه».
لكن التجربة الهيدروجينية التي أجرتها كوريا الديمقراطية رغم التهديد، التي تبين فيما بعد أنها لقنبلة تفوق في قوتها أضعاف حجم قنابلها الخمس السابقة، أدت إلى هبوط حاد في مستوى التهديدات الأميركية، خصوصاً بعد أن أثبتت التجارب الصاروخية الكورية الموازية قدرة نظرية على إيصال رأس نووي داخل الأراضي الأميركية.
بالمثل شاهدنا في العراق وسورية خلال العام ونصف العام الماضي سقوط كم هائل من الخطوط الحمر الأميركية، بدءاً من استعادة الجيش العربي السوري وحلفائه مدينة حلب، مرورا بتحقيق التواصل الجغرافي بين العراق وسورية، ووصولا أخيراً لانهيار مشروع الانفصال الكردي بعد انتزاع الجيش العراقي والحشد الشعبي لكركوك، المنطقة الأغنى بالنفط، من دون أن تبدي الولايات المتحدة أي رد فعل دفاعا عن حليفها مسعود بارزاني، الذي استثمرت ثلاثين عاماً في مشروع دعمه وإعداده ليكون الصاعق الذي سيفجر وحدة دول المنطقة.
يسهب المنظرون في تعداد العوامل التي تؤهل دولة ما للعب دور القائد في النظام العالمي، فهناك حجم الناتج القومي ومستوى التقدم التكنولوجي والقوة الناعمة التي تشمل القدرة على التأثير في الرأي العام عبر قنوات مثل الإعلام والدبلوماسية، لكن وحدها القدرة على الفعل العسكري في مواجهة ما تعلنه تلك الدولة خطراً على الأمن العالمي، هو ما يصنع لها المهابة التي تمكنها من تبوؤ سدة قيادة النظام العالمي، وهو ما أصبح واضحاً أن أميركا فقدت القدرة على ممارسته إثر مغامراتها العسكرية الفاشلة زمن جورج بوش الابن في العراق وأفغانستان.
على الضفة المقابلة، أثبتت دولة كروسيا تمتلك نظريا إمكانيات اقتصادية وعسكرية ودعائية أقل حجما مما تمتلكه الولايات المتحدة، جرأة على الفعل العسكري المباشر في وجه خطر الإرهاب في سورية، وهو ما تعتبره من وجهة نظرها الخطر الأكبر الذي يهدد اليوم الأمن العالمي ومن ثم أمنها القومي، مع ما تعنيه تلك الجرأة من استعداد لتحمل كلفة الدم وسيناريوهات الاستنزاف المحتملة.
وتكمن القوة في الموقف الروسي في انطلاق السياسات الروسية من احتياجات الأمن القومي الروسي الحقيقية غير المصطنعة، فالروس دفعوا ثمنا باهظا من دمائهم في الشيشان داخل حدود الاتحاد الكونفدرالي الروسي في مواجهة الجماعات الإرهابية التكفيرية العابرة للحدود والجنسيات والممولة بالمال الخليجي، التي أصبحت الأداة الأفعل المستخدمة من الولايات المتحدة لاستنزاف وإخضاع خصومها، تلك الأداة يمكن أن تستخدم لاحقا لضرب وحدة إيران أو الصين أو الهند، وهي دول تحوي جميعها أزمات كامنة من النوع الشبيه بالحالة الشيشانية، كما أن الإرهاب يضرب اليوم فعليا أوروبا، وهو ما يجعله خطراً فعليا يهدد الأمن العالمي بشكل محسوس، ويعطي للحجة الروسية صدقيتها.
بالمقارنة تنطلق السياسات الأميركية من نظرة استعلائية ورغبة عدوانية بإعادة تشكيل العالم وفقاً للمصالح الأميركية، مهما كلف ذلك من دماء وضحايا، ومن دون أدنى مراعاة لسيادات الدول وللقوانين الدولية، فالحرب أضحت منذ زمن طويل الصناعة الأهم في الاقتصاد الأميركي، ما دامت رحاها تدور بعيداً عن الولايات المتحدة، ومادامت الأرواح التي تزهق فيها ليست أميركية.
فالقضية هنا ليست في أن دولة ما تعمل من أجل تأمين مصالحها، فهذا بديهي ومشروع في العلاقات الدولية وحتى الشخصية، بل إن ما يصنع الفارق في الواقع هو كيف تعرف مصالحك، فبينما تعرف الولايات المتحدة مصالحها على الضد من مصالح العالم أجمع، ومن دون التزام بالحدود القائمة وبسيادات الدول وبالقوانين الدولية، تعرف روسيا مصالحها بالتشارك مع مصالح الآخرين، وتحت سقف الالتزام بسيادات الدول وبالحدود القائمة والأعراف الدولية، لذلك ليس غريباً أن نرى التحول التركي ناحية روسيا بعد أن اكتشفت حكومة العدالة والتنمية وهم ما تم خداعها وإغواؤها به من آمال استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، على حين الهدف الحقيقي تقسيم دول المنطقة كلها بما فيها تركيا نفسها.
ليس غريبا ما نراه من بدايات انزياح في السياسة الأوروبية شرقا ناحية روسيا، عوضاً عن الالتحاق الذيلي التقليدي بالموقف الأميركي، فأوروبا لم تعد تمتلك رفاهية تحمل نتائج سياسات العبث بأمن الدول وتفجيرها عبر دعم الجماعات الإرهابية فيها، فهي تواجه إلى جانب الإرهاب خطر الهجرات الجماعية التي تهدد بتغيير هوية أوروبا، وتمهد لصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة فيها.
لا نبالغ إن قلنا إننا إزاء نشوء نظام عالمي جديد يتراجع فيه الدور الأميركي إلى الخلف وتتصدر واجهته روسيا، بانتظار أن تقرر الصين العملاق الاقتصادي الانخراط في السياسات الدولية أكثر.