حلول الأمر الواقع

| مازن بلال 

مع تسليم «قوات سورية الديمقراطية – قسد» مطار منغ للوحدات الروسية؛ فإن التطورات السياسية اللاحقة تدخل ضمن سياق جديد، والواضح أن هذا التطور العسكري يحمل الكثير من الاحتمالات السياسية، فوفق توافقات أستانا يجب أن تكون تلك المنطقة خارج إطار نشر القوات وعلى الأخص التركية، ولكن إمكانية التماس العسكري بين الجيش التركي و«قسد» دفع روسيا لتحييد هذه الجبهة، فهي لم تقطع المجال على أنقرة فقط، بل وضعت شرطاً أمام «قسد» للتعامل مع مركز المصالحات، ودفعتها للتعامل مع الحلول التي تحاول موسكو التعامل معها.
عمليا فإن كسر الجبهات العسكرية أصبحت مهمة روسية بامتياز، وأمام محاولات الولايات المتحدة وتركيا، كل على حده، لفرض أمر واقع على الأرض فإن موسكو تسعى لمنع الاشتباك الذي سيعقد مهمتها على المستويين العسكري والسياسي، فالتقارير التي تتحدث عن تفاوض لتسليم حقول النفط في الجزيرة السورية ليست بعيدة عما حصل في مطار منغ، وفي المقابل فإن الأوراق الأميركية يتم طرحها بقوة في وجه التحرك الروسي وخصوصاً من خلال ملف الأسلحة الكيميائية السورية، ويبدو أن مقاربات الدولتين بدأت تأخذ اتجاها بعيداً عن التصعيد العسكري المباشر، فنحن أمام ثلاثة تصورات مطروحة بقوة:
– الأول تقدمه الولايات المتحدة التي أتاحت لـ«قسد» الدخول إلى الرقة إضافة للسيطرة على مساحات واسعة من الجزيرة السورية، ورغم الشكل العسكري لهذه الورقة لكن التحرك الأميركي يبدو حذرا جداً مقارنة بما اعتدناه من واشنطن خلال عملياتها العسكرية في العديد من أنحاء العالم.
الحذر الأميركي لا يمكن تبريره إلا بوجود القوات الروسية على الأرض السورية، فإمكانية التماس حتى مع القوات الرديفة، حزب اللـه على سبيل المثال، ستزيد من التعقيد وربما التورط الأميركي وهو ما لا تريده واشنطن في الوقت الراهن، فالدعم العسكري لـ«قسد» هو لتعزيز أوراقها السياسية في أي مفوضات قادمة، ولفرضها تصورها ضمن الحلول النهائية للشرق الأوسط عموما، فالولايات المتحدة تنظر عبر وجودها في سورية إلى شكل التوازن مع روسيا وليس إلى عمق الأزمة السورية.
– التصور الثاني تطرحه الحركة الروسية سياسيا وعسكريا، وعلى عكس الولايات المتحدة، فهي ترى أن سُبل حل الأزمة السورية سيشكل نموذجاً للتوازن الدولي، ولطرق فض النزاعات بعيداً عن استخدام القوة بشرعية الأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي.
لا تمانع روسيا من التفاوض مع حلفاء واشنطن وعلى الأخص السعودية، فهي ترى أن الأزمة السورية تتيح مجال علاقات سياسية مختلفة عن السابق، ويمكن لموسكو طرح قوتها في هذه العلاقات التي ستسهل حل الصراع داخل سورية، ومحاولتها استقطاب الأكراد أيضاً، وعرض وساطتها لهم مع الحكومة السورية يدخل في هذا الإطار، فالتصور الروسي يبني علاقات جديدة من خلال تفاصيل الأزمة السورية.
– التصور الأخير تطرحه تركيا، فهي خسرت راهنات سابقة ولا تريد المغامرة بفقدان كامل أوراقها، ودخولها إلى محافظة إدلب ومن قبله إلى ريف حلب، لا يشكل فقط قطع طريق على المشروع الكردي، بل أيضاً تعزيزاً لمكانتها بشأن أي حل سوري قادم، وتلويحاً لواشنطن وموسكو بأنها تملك الإمكانات اللازمة في حال توصلت روسيا والولايات المتحدة لتوافقات مرتبطة بسورية وبالإقليم عموما.
تعقيدات المشهد الحالي هو من كون واشنطن تفرض أمرا واقعا عبر حلفائها من «قسد»، على حين تحاول موسكو كسر احتمالات الجمود على مستوى محاربة الإرهاب أو حل الأزمة السورية وفق النموذج الذي سيكرسها كمنافس للنفوذ الأميركي، فالانتشار الروسي وعلى الأخص في مطار منغ لا يبدو أنه رسالة لتركيا، بل وضع حدود لدورها ولإمكانية إشعال المنطقة عبر صراع «شعوبي»، فما تهم به موسكو هو بقاء أنقرة ضمن دائرة علاقاتها بشكل يقوى اتفاقات أستانا ويكرس نقاط انطلاق لتوجيه منظومة الشرق الأوسط وفق تصور روسي.