اعترافات حمد بن جاسم.. عندما «تتهاوَش» الضِباع

| فرنسا – فراس عزيز ديب 

«اللهمَّ ضبعاً وذئباً»، دعاءٌ متعارفٌ عليهِ عند العرب السابقين، وهو تمني بألا يهاجم حلالهم ضبع منفرد أو ذئب منفرد، لأن النتيجة قد تكون خسائر كبيرة، لكن عندما يهاجم الذئب والضبع في آن واحد مكاناً ما فإنهما يتلهيان بقتالِ أحدهما للآخر، وينجو الحلال بنفسهِ.
صورةٌ قد تكون التعبير الأصدق عما جاء في الاعترافات الأخيرة لرئيس وزراء ووزير خارجية مشيخة قطر السابق ورأس الفتنة في تدمير المنطقة بمسمى ربيع الدم العربي حمد بن جاسم، لكن الصورة لا تكتمل إلا بإعادة تقييم التوصيفات، فكيف ذلك؟
إن الاعترافات التي أدلى بها ابن جاسم لم تكن الأولى من نوعها، ففي نيسان من العام الماضي نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية لقاء معهُ حمل الكثير من الاعترافات، يومها كان لا يزال يعيش طموحات الوصول لمنصب الأمانة العامة للأمم المتحدة خلفاً للقلِق الدائم بان كيمون، لكن أوراق اعتماده فشلَت على الرغم من تزامنها مع إطلاق الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما «فعل الندامة» في حديثهِ الشهير لمجلة «أتلانتيك» تحت عنوان «عقيدة أوباما»، ولأننا للأسف أمة لا تقرأ، مرت تصريحاته مرور الكرام، ولأن شعوب هذا الشرق البائس يعتمدون بأغلبيتهم «الثقافة التلفزيونية» كان لاعترافاته التلفزيونية هذه المرة الوقع الأكبر، من دون أن يأخذنا التفكير نحو فرضية أن ابن جاسم قررَ تلاوةَ فعلِ الندامة، بل على العكس؛ هو على الرغم من كل اعترافاته كان كمن يباهي بالحماقات التي ارتكبها، فهو مثلاً في حديثه السابق تحدث عن تدمير ليبيا بعبارة «كثرت الطباخين فاحترقت الطبخة»، اليوم يتحدث عن سورية من منطلق أنها «صيده»، هكذا هم القادمون من خارج التاريخ لا يمكن لهم مهما لبسوا أثواب الحضارة المزركشة أن يخرجوا من عباءة أن المال لا يصنع تاريخاً، بل على العكس بدا في تعدادِ تلك الحماقات التي ضربت شرقاً وغرباً وكأنه يحدثنا عن قدرةِ مشيخته أن تضرب حيث تشاء وإن سقطَ ملايين الضحايا، فالأمر مجرد خطأ لأن الأخطاء واردة، وإذا كان ابن جاسم قد اعترف بصورةٍ واضحةٍ أن كل ما كان يجري كان بإيعازٍ أميركي، من العلاقة مع إسرائيل، إلى افتتاح سفارة «طالبان أفغانستان» في الدوحة، وصولاً للتورط في سورية واليمن وليبية، فهل تكون هذه الاعترافات هي بذات السياق المبني على إيعازٍ أميركي؟
للإجابةِ عن هذا السؤال لابد لنا من الأخذ باللقاء شكلاً ومضموناً، ففي الشكل كان لافتاً أن يكون اللقاء عبر التلفزيون الرسمي القطري ولمدة ساعتين، كذلك الأمر كان لافتاً أن المُستضيف أعاد في مقدمة اللقاء تكرار المرافعة القطرية بتوصيف الحصار المفروض عليها من شركائها في الإجرام بأنه مبني أساساً على تصريحاتٍ كاذبة منسوبة لأمير المشيخة بعد أن تم اختراق الحسابات الرسمية لقطر، بل إن القطريين ما زالوا لا يوفرون فرصةً لتأكيدِ هذا الأمر، وهو يتطابق مع فكرة أن ما جرى ويجري بين المشيخات النفطية أبعد بكثير من موضوع خلاف في الرؤى والطموحات، بل هي كما وصفها ابن جاسم قائمة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في العام 1998، أي أن كل ما كنا نشاهده ونراه هو صراع مكتوم عمره قرابةَ العقدين بين ضباعٍ، بل إن اختراق الحسابات هو جزء من اللعبة مع إصرار باقي المشيخات على رفض الاعتذار القطري.
أما في المضمون فإن التعاطي مع الموضوع ينطلق من التناقضات التي وردت في حديث ابن جاسم والتي لا تتسع لها هذه السطور تحديداً أن ابن جاسم سعى لأمرين أساسيين الأول محاولة ربط كل ما جرى بأنه كان في الأساس بقبول من «آل سعود»، وقطر كانت مجرد واجهة، والأمر الثاني سعيه بين السطور لتبرئة الملك الحالي لـ«آل سعود» سلمان بن عبد العزيز من التورط بالحروب بل قدمه لنا بصورة من ورث هذه الحروب تحديداً ما يتعلق بالحرب على اليمن وسورية، فما التناقضات في المضمون؟
أولاً: حاول ابن جاسم اعتماد أسلوب توزيع المسؤولية حتى يضيع حق الدم عندما اعتبر أن «آل سعود» كانوا على علمٍ وموافقين على كل التصرفات القطرية بما فيها «دعم الشعوب الثائرة»، وأن تحميل قطر وحدها المسؤولية هو نوع من تزييفِ الحقائق، لكن هذا الأمر إذا كنا نصدقهُ في أن لقطر دوراً ثانوياً في كل من ليبيا وسورية واليمن، فماذا عن دورهم في كل من تونس ومصر وهما البداية التي أدت لكل ما نحن عليه، إذ لا يمكن لعاقلٍ أن يقتنع يومها بأن «آل سعود» كانوا مع ما جرى ولو حتى في الخفاء تحديداً أن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الآن في ضيافتهم، أما محمد حسني مبارك فكان بديلهُ واضحاً للجميع وهو البديل الذي يكرهه «آل سعود» أي «الإخوان المجرمون»، بل ربما لولا الخطأ التكتيكي الذي اعتمدوه عندما زجوا مرشحاً للرئاسة في مصر ولم يكتفوا بالأغلبية البرلمانية التي كانت تجعل البلد بأيديهم لكانوا إلى الآن يتنعمون بحكم «أم الدنيا» فكيف كان «آل سعود» يريدون وصولهم للحكم؟!
النقطة الثانية أن ابن جاسم تحدثَ عن درسٍ في الأخلاق أعطاهم إياه الراحل حافظ الأسد، لأنه عندما زار سورية بعد الانقلاب في قطر بطلبٍ من الملك فهد بن عبد العزيز للحصول على الاعتراف السوري بشرعية نظام الحكم الجديد في قطر، قال له الأسد الأب إنكم لستم بحاجةٍ للاعتراف من أحد لأن الشعب القطري في النهاية هو من يقرر، بل وصف الرئيس الراحل بـ«الحكيم».
بالتأكيد لا تحتاج شخصية كحافظ الأسد لهذهِ الشهادة من مجرم كهذا، لكن اللافت أن الرئيس الراحل أعطاهم درساً في احترامِ الذات قبل احترام الآخرين، ولو أنهم يتعظون من ذلك لسألوا أنفسهم: ماذا عن قرارنا تدمير ليبيا لأننا تآمرنا على حاكمها؟ وماذا عن اليمن؟ وماذا عن سورية؟ لماذا لم نحترم أنفسنا ونترك الشعوب هي من تقرر؟ ثم كيف كان بالنسبة له الرئيس الراحل حكيماً وبذات الوقت يكونون رأس حربة في الحرب على ما يسمونه «النظام السوري الجاثم على صدور السوريين منذ 50 عاماً»؟
ثالثاً: إن ابن جاسم أكد أن كل ما كان يجري، كان بطلبٍ أميركي بما فيها الحرب على سورية ودعم تسليح المليشيات المسلحة والمنظمات الإرهابية، حتى القواعد الأميركية الموجودة في قطر فإن الولايات المتحدة اتخذت قراراً بإنشائها من دون علم القطريين أنفسهم، بالتأكيد هو ليس بحاجةٍ ليشرح لنا أنهم مجرد مأجورين عند سيدهم الأميركي، حتى من لا يزال متوهماً العكس فهو لن يبدل موقفه اليوم ولا غداً لأن هؤلاء مواقفهم ليست مبنية عن قناعة أو عقيدة، هي مبنية بالأساس على المكتسبات المادية والمناصبية تزول بزوالها، كأن يصل الحال مثلاً «بالملا» ميشيل كيلو أن يعترف بعد كل هذه السنوات أن 99 بالمئة من الثوار في سورية مجرمون، لكن الرسالة التي مررها ابن جاسم بين السطور أن الدول الخليجية بالكامل لها السياق ذاته ولا تختلف عن قطر في شيء، لذلك لا أحد يستطيع أن يزايد على أحد، هو أراد بنجاح أن يغمز من قناة «آل سعود» للقول إنه إذا كان هناك من يبرر هذا الوهن القطري في التبعية للولايات المتحدة لأن قطر لا تساوي شيئاً أمام القوة الأميركية، فماذا عن «آل سعود»؟ ولماذا لا يكونون مختلفين؟ ولماذا لا يقودون «الأمة» نحو الخروج من عباءة الأميركيين؟
بالتأكيد إن جردة الحساب التي قدمها ابن جاسم ليست على الإطلاق دعاية مجانية وليست فعلاً بريئاً خارج السياق العام لتشابك الأحداث في المنطقة، فهل تكون مثلاً اعتذاراً غير رسمي على طريقة «ساعة التخلي» الجنبلاطية تمهيداً لما هو قادم في إطار التسويات غير الخليجية، أم إنها بطلبٍ أميركي عقاباً لـ«آل سعود» على التوجه نحو الروسي من جهة ورفض وساطة وزير الخارجية الأميركي من جهة ثانية؟
تبدو كل الاحتمالات واردة لكن الثابت الوحيد الذي علمتنا إياه هذه الفوضى التي تضرب الشرق الأوسط أن الذئب كان ولا يزال جاثماً على صدورنا منذ قرون وهو يأتي بأشكالٍ مختلفةٍ، تارة عثمانياً، وتارة صهيونياً، وتارة إسلاماً سياسياً، أما الضباع فهي قذرة لدرجة أنها تُعذب ضحيتها وتبدأ بالتهامها حتى قبل أن تموت، لكن ما هو أكثر قذارة أنها قادرة أن تأكل حتى جثث أبناء جلدتها من الضباع المتعفنة، فهل بدؤوا يأكلون جثثَ بعضهم بعضاً؟ ربما هي النتيجة المنطقية لمن كان يرى بنفسه صياداً فإذا هو فريسة.