روسيا والصين.. توافق اقتصادي سياسي لمواجهة الهيمنة الأميركية

| قحطان السيوفي 

التقارب في المواقف السياسية، والتعاون الاقتصادي المتنامي بين روسيا والصين، يشير للمزيد من التنسيق على الساحة الدولية وفي المنظمات الأممية، فروسيا والصين قوتان عالميتان كبيرتان، الأولى من أكبر مصدري الطاقة في العالم، والثانية من أكبر مستهلكيها، ويأتي التوافق الروسي الصيني في سياق وعي عالمي لخطورة التفرّد الأميركي بالهيمنة على السياسة العالمية، والدعم غير المباشر للإرهاب، كما يهدف التوافق لإقامة تعدّدية قطبية على مستوى القرار الدولي، وخط أنابيب «باور أوف سيبيريا» الذي تنفذه شركة «جازبروم» الروسية؛ هو الأول الذي يربط روسيا والصين، يبلغ طوله ثلاثة آلاف كيلومتر، باتجاه الحدود الصينية، ليتوج باتفاق غاز بقيمة 400 مليار دولار، بين الدولتين.
خط أنابيب الغاز هذا، سيبدأ الضخ في عام 2019، ممهدا الطريق لاتفاق لمدة 30 عاماً لتوريد أكثر من 1,15 تريليون متر مكعب من الغاز الروسي إلى الصين.
تم توقيع اتفاق بين «جازبروم» وشركة البترول الوطنية الصينية للبدء بتوريد الغاز في كانون الأول من عام 2019، وهو واحد من الاستثمارات الأكثر أهمية لقطاع الطاقة في روسيا ولكلا الطرفين. بالنسبة لـروسيا يفتح أساساً سوقا ضخمة تنمو بسرعة، ويسمح لها بتسييل حقول الغاز، وبالنسبة للصين يوفر إمدادات مستقرة رخيصة نسبياً على المدى الطويل.
روسيا زادت من مبيعات الغاز العام الماضي، وزادت إنتاجها لتعويض انخفاض الأسعار، وتزوّد أوربا بنحو ثُلث احتياجاتها من الغاز، كما تُخطط لمد خطوط أنابيب جديدة عبر بحر البلطيق والبحر الأسود، يمنح روسيا إمكانية الوصول إلى سوق جديدة واسعة، يتوقع أن تُمثّل أكثر من 12 في المئة من سوق الغاز الصينية، التي ستصل إلى 300 مليار متر مكعب في الأعوام القليلة المُقبلة وسينقل 38 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى المناطق الشمالية الشرقية في الصين، وتزداد أهميته إذا كانت روسيا ستستغل الكميات الكبيرة في مناطقها الشرقية، لأن تكلفتها أقل مما لو صدرت إلى أوروبا.
المحللون يرون أن خط الأنابيب يُساعد في المسائل الجيوسياسية رفيعة المستوى؛ لدرجة أن الرئيس الصيني تشي جين بينغ خلال زيارته إلى موسكو، استشهد بالمشروع باعتباره مثالا رئيسا للعلاقات المتنامية بين البلدين المتجاورين اللذين يملكان، احتياطيات واحتياجات طاقة ضخمة.
«روسنفت» أكبر شركة نفط في روسيا، باعت أخيراً حصة في أحد مشاريعها إلى شركة غاز صينية، وقالت إنها تُجري محادثات لبيع حصة في أعمالها للتجزئة إلى شركة الطاقة الصينية.
شركة «جازبروم» نفسها أخذت قرضا بقيمة ملياري يورو من بنك الصين العام الماضي، كذلك وافقت بكين على تقديم 11 مليار دولار لاثنتين من الجهات الحكومية الروسية التي تخضع لعقوبات غربية، وتُخطط روسيا لمد خط أنابيب ثان إلى الصين عبر الحدود بين منغوليا وكازاخستان، ويتم تزويده بالغاز من حقول في غرب سيبيريا.
يتوقع مد نحو 2150 كيلومتراً من خط الأنابيب، وهناك أيضاً خطة لتمديد خط بطول ألف كيلومتر، لتوصيل خط الأنابيب بالمسار الثاني بين حقول الغاز في ساخالين وميناء فلاديفوستوك الشرقي في روسيا.
بالمقابل ظهرت شركة الطاقة الصينية ومقرها شنغهاي، بالتزامن مع الدفع الاقتصادي للصين نحو آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية، وأعلنت الشركة شراء حصة قدرها ثمانية مليارات دولار في شركة النفط الروسية «روسنفت»، كما اشترت الحصة البالغة 14,16 في المئة، التي كانت تستحوذ عليها شركة «جلينكور» السويسرية وهيئة قطر للاستثمار، وبعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين.
يأتي الدعم المقدم لشركة «روسنفت» في وقت الصعود السياسي للرئيس تشي ومع الزيارات الرسمية التي قام بها إلى الخارج.
على الصعيد العالمي إن اعتماد الولايات المتحدة على إستراتيجية متدرّجة قوامها «الفوضى الخلاقة» و«الغموض الإيجابي»، جعل روسيا والصين تتوافقان لمواجهة الولايات المتحدة، ويتراوح تأثير التوافق الروسي الصيني من السياسة الأميركية وسط تعاون متزايد مع روسيا في مسائل تراوح بين الجزر الآسيوية المتنازع عليها، وقضايا الشرق الأوسط، بما في ذلك المواجهة السياسية حول الحرب الإرهابية الكونية على سورية.
إن أهمية التعاون الاقتصادي بين روسيا والصين لا تكمن فقط في حجم التبادل التجاري بينهما، أو في الحاجة التكاملية في البنى الاقتصادية لكليهما، بل يهدف أيضاً لإعادة رسم البنى التحتية والأمنية والمالية في العالم وفق المنظور المشترك الروسي الصيني، والاعتماد على الاحتياط الضخم للغاز الذي تمتلكه روسيا، والقدرات الاقتصادية الصينية، وتحدّي الاحتكار الغربي، ورغبة البلدين لإصلاح النظام النقدي العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، وبالتالي إنشاء سوق عالمي يتحرّر من سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي، كما يهدف لإيجاد نظام سياسي واقتصادي عالمي يكون أكثر عدالة وتوازنًا، وأيضاً مواجهة الإرهاب والتطرّف الديني والعرقي.
كل ذلك جعل الحاجة ماسة في نظر روسيا والصين إلى خلق مؤسسات رديفة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما جرى الاعتماد على مجموعـة «البريكس» لمؤازرة الجهود الروسية الصينية، وتشكّل «البريكس» انطلاقة لإرساء قواعد النظام العالمي الجديد بعيداً عن إيقاع النظام العالمي غير العادل، إضافة إلى أن منظمة «شانغهاي للتعاون» وهي تجسيد لرؤية روسية صينية لعالم ما بعد الليبرالية المتطرّفة وردٌّ آسيوي على العولمة بمفهومها الغربي.
إن التعاون الروسي الصيني يؤدّي إلى نشوء حقبة دولية متعدّدة الأقطاب، وتعدّد مراكز صنع القرار على المسرح الدولي.
بالمقابل شكّلت الأزمة السورية «نقطة اشتباك» في زمن التحوّل الإستراتيجي في العالم العربي، وكان الموقف الروسي الصيني المشترك في استخدام حقّ النقض ضد أي قرار يُدين سورية، جزءاً من التنسيق السياسي بين الدولتين على المسرح الدولي.
وتتجلى خصوصية الموقف الروسي في إبداء روسيا رفضها لمحاولة الولايات المتحدة اليائسة لمحاصرتها وتطويقها مع حلفائها في إيران وسورية، في معركتهم لمحاربة الإرهاب والتطرّف الديني والعرقي.
أخيراً يمكن تصنيف التوافق الروسي الصيني بأنه نوع من التحالف الجيوسياسي الاقتصادي الذي يشكل القطبية الثنائية العالمية في مواجهة الهيمنة الأميركية.