«مناطق تخفيف التوتر» والتسوية السياسية

| رزوق الغاوي 

كما هو واضح حتى اللحظة، أن الاختلاف نوعي كبير جداً والهوة عميقة وساحقة إلى درجة التناقض بين «الهدف السوري الروسي» و«الهدف الأميركي التركي»، تجاه المقترح الروسي إنشاء «مناطق تخفيف التوتر» في بعض المناطق الساخنة في إدلب وشمال حمص والغوطة الشرقية، والجنوب السوري.
ففي حين هدف توافق دمشق وموسكو على المقترح الروسي إلى إمكانية تحويل واقع تلك المناطق الساخنة إلى مناطق هادئة، وتحقيق مصالحات تؤدي إلى إخراجها نهائياً من ساحة العسكرة، نلحظ أن هدف واشنطن وأنقرة بعيد كل البعد عما تقدم، ويتمثل بمحاولتهما توظيف عملية تخفيف التوتر وإحلال نوع من الهدوء ليشكل مقدمة إلى ترسيخ واقع أشبه ما يكون بمنزلة «غيتو» تأمل واشنطن وأنقرة أن يتحول «فيما بعد» في بعض المناطق السورية إلى حالة انفصالية تشكل بؤرة تستغلها الدوائر الاستعمارية والصهيونية والرجعية العربية، لتقليص السيادة الوطنية السورية على كامل التراب الوطني السوري من جهة، ومن جهة أخرى امتلاك ورقة ضغط مستمر على النهج السياسي السوري.
من هنا نلحظ أن بعض المناطق التي تم تحديدها على أنها «مناطق تخفيف التوتر» لم يكن بالإمكان جعلها كذلك مثل محافظة إدلب، التي كانت مثار جدل كبير منذ إعلان اتفاقية خفض التوتر، والجميع يدرك واقع تلك المحافظة بسبب المواقف الملتبسة منها وفي المقدمة منها «التدخل العسكري المباشر وغير المشروع فيها من الجانب التركي» بذريعة منع تمدد الأكراد باتجاه البحر من جهة، في حين تعمل أنقرة من جهة أخرى على جعل محافظة إدلب منطقة نفوذ لها بالقرب من حدودها، وبما يكفل من جهة ثالثة، تجميع عناصر جبهة النصرة وأسرهم في إدلب لتصبح خزاناً كبيراً للإرهابيين، أو من جوانب عدة أخرى مشبوهة الأهداف والنيات، على حين تعيش المناطق الثلاث الأخرى حالة من المد والجزر والتأرجح بين الهدوء والسخونة، بفعل تدخلات عربية من هنا، أو أجنبية من هناك، وهذا أمر يوضح بشكل أو بآخر الواقع الراهن المعقد الذي يحيط بتلك المناطق.
في هذا السياق تبدو الإشارة مفيدة إلى ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً من أن تحرك بلاده باتجاه منطقة عفرين «قد يحدث فجأةً ذات ليلة»، هذا التصريح جاء بعد تعزيز أنقرة لقواتها في المناطق المواجهة لمنطقة عفرين من الجهة الجنوبية، بما في ذلك إدخال عدد كبير من المدرعات وأبراج الاتصالات والمعدات المساعدة، ما يكشف مجدداً النيات العدوانية التركية للنيل من السيادة السورية، في استغلال فاضح ومكشوف لتقدم «قوات سورية الديمقراطية – قسد» بدعم أميركي في بعض المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، وفرض سيطرتها على مدينة الرقة بعد إنهاء المواجهة مع داعش باتفاق أمن انسحاب التنظيم من المدينة بأمان واطمئنان، وبحماية مكشوفة من قوات «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن التي تزعم العمل على محاربة تنظيم داعش!
في ضوء هذا الواقع المعقد بفعل الممارسات الأميركية الرامية إلى عرقلة أية مبادرات أو مقترحات من شأنها السير على السكة العملية الصحيحة التي تؤدي إلى تسوية سياسية تضمن وحدة التراب السوري والقضاء على الإرهاب، يمكن القول إن مسألة إقامة «مناطق تخفيف التوتر» تواجه حائطاً مسدوداً أقامته واشنطن في محاولة جديدة لخلط الأوراق على الساحة السورية، بغية خدمة وجودها غير المشروع على الأرض السورية والذي يعتبر احتلالاً بكل ما تعنيه كلمة احتلال من معنى، وسعيها لوضع يدها على المناطق السورية الغنية بالنفط، ما يستدعي مزيداً من الحيطة والحذر من الاستغلال البشع لأي طروحات إيجابية وإفراغها من مضامينها الحقَّة.