الرقة وإدلب: بداية النهايات

| بيروت – محمد عبيد 

على الرغم مما نشهده من احتدام للمعارك على أكثر من جبهة بين الجيش العربي السوري وحلفائه في محور المقاومة بمساعدة روسيا من جهة، وبين المجموعات الإرهابية التكفيرية أو تلك التي تحمل عناوين مُضَلِلة من جهة أخرى، يمكن القول إن النصر بالمعنى الإستراتيجي العام قد صار محسوماً لمصلحة الدولة السورية وحلفائها، وإن الأهداف السياسية والعسكرية والديمغرافية التي سعت لتحقيقها الولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي ومعهما الأنظمة في السعودية وتركيا وقطر، قد أُسقِطت وهي في طريقها إلى الزوال والاندثار.
ليس من المبالغة أبداً القول إن «الشرق الأوسط الجديد» الذي سبق وبشرتنا بقرب ولادته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس من رَحَمِ العدوان الإسرائيلي على المقاومة في لبنان في تموز العام 2006، والذي أجهضته المقاومة بدعم سوري إيراني ومن ثم تمت إعادة تنقيحه وإطلاقه بنسخة جديدة من خلال إعلان الحرب العدوانية على سورية في العام 2011، تحول معظم هذا الشرق بفعل الصمود والمواجهة على الصعد السياسية والدبلوماسية والإعلامية والعسكرية والأمنية وأيضاً الاجتماعية، إلى محور متماسك أوسع مساحةً وانتشاراً وقدرات، وكذلك إلى مشروع ثقافة عربية إسلامية مقاومة تنفذ إلى نفوس الكثير من شعوب المنطقة.
إن إجراء مقارنة بسيطة بين التوازنات التي كانت قائمة قبل العدوانين المذكورين على المقاومة ممثلة بحزب الله، وعلى سورية، وبين ما تلاهما، تُظهِرُ تغييراً جذرياً على مستوى السياسات الدولية والإقليمية، وتبلوراً بشكل أساسي في الأدوار التي اكتسبتها القوى التي دخلت على خط المواجهة إلى جانب الدولة السورية وهي روسيا وإيران، والتي أدت إلى تعديل أحجامها ونفوذها على حساب المحور الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وأتباعها الإقليميون، ما يعني أن هذه التوازنات الجديدة التي فرضها نجاح محور المقاومة ومعه روسيا في إسقاط الأهداف المباشرة والكامنة للعدوان الأميركي الإسرائيلي السعودي التركي على سورية هي التي ستحدد شكل النهايات ونتائجها، هذه النهايات التي بدأت تظهر معالمها في الميدانين السوري والعراقي انطلاقاً من اعتبارهما جبهة واحدة متكاملة في الحرب على تنظيم داعش وجبهة النصرة والمجموعات الإرهابية الأخرى المرتبطة بهما.
في الميدان السوري وبعد فك الحصار عن مدينة دير الزور والاتجاه إلى استكمال تحرير الخط الفاصل بينها وبين منطقة البوكمال وصولاً إلى خط الحدود العراقية، يبرز الاستحقاق الميداني السياسي المتعلق بموضوع احتلال قوات أميركية لأراضٍ سوريةٍ بشكل مباشر وبالوساطة من خلال ما يسمى «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، وهو استحقاق سيفرض نفسه على مجريات الحملة العسكرية التي يقودها الجيش السوري وحلفاؤه لإنهاء وجود المجموعات العسكرية التي لا تقاتل إلى جانب هذا الجيش، وذلك بناءً على قرار القيادة السورية الحاسم باعتبار أن انتقال السيطرة على مدينة الرقة مثلاً من داعش إلى «قسد» لا يعني مطلقاً تحريرها وعودتها إلى كنف الدولة، فكيف إذا كان الراعي لعملية الانتقال المشبوهة هذه هو الاحتلال الأميركي! كما أنه استحقاق تحدٍ سيكشف مدى قدرة قوات الاحتلال الأميركية على البقاء في بيئة رافضة لوجودها، وخصوصاً بعد احتمال تقهقر الواجهة الهشة التي يستعملها هذا الاحتلال المشابهة لقوات البيشمركة في العراق والتي سقطت في مواجهة القوات الشرعية العراقية الساعية لاستعادة سلطة الدولة المركزية على مؤسساتها ومرافقها العامة وحدودها كافة، لأنه حين ذلك ستكون واشنطن أمام قرار صعب، فإما الانسحاب تحت عنوان تفاهم ما مع الند الروسي وإما بقاءٌ محفوفٌ بالمخاطر لا يبدو أن إدارة ترامب على استعداد الآن لتحمل تداعياته.
أما على جبهة إدلب، فيبدو الموقف أكثر تعقيداً في ظل مساعي النظام التركي لتطبيع رعايته للواقع القائم هناك حالياً وتكريسه على أساس أن ذلك يندرج في إطار دوره المفترض في تثبيت «منطقة تخفيف التوتر» المتفق عليها في اجتماعات أستانا. غير أن الاتفاق الإطار الذي جرى اعتماده في أستانا لم يعطِ نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أي تفويض لاحتلال أراضٍ سوريةٍ، كذلك لم يسمح له بالتفاوض مع جبهة النصرة وإنجاز صفقة معها بالتراضي لإنشاء قواعد عسكرية تركية داخل سورية، أما الأخطر فيتمثل في سعي النظام التركي إلى تلميع صورة جبهة النصرة عبر أمرين، الأول: إخراج قياداتها غير السوريين من تلك المنطقة وإعادتهم إلى البلدان التي أتوا منها وإذا تعثر ذلك فعليها تأمين بدائل لهم، والثاني: إعادة تشكيل من تبقى منهم من السوريين، قيادات وعناصر، تحت عناوين تنظيمية جديدة أو دمجهم بمجموعات متلونة الانتماء لكنها تحمل العقيدة التكفيرية الإرهابية ذاتها التي أوجدتها القاعدة أو «النصرة».
كلما اقتربنا من أبواب الرقة وإدلب وصلنا إلى بداية النهايات لمخطط العدوان على سورية، ومن ثم الوقوف أمام خيارات عدة أبرزها: إما معارك عسكرية شرسة تُعيد للدولة السورية سيادتها المطلقة على أرضها وحدودها ومرافقها وثرواتها الطبيعية، أو حلول سياسية متدرجة تُخرِجُ المحتلين وتنهي عملاءهم وتُثبتُ السيادة ذاتها.