توازنات الساحة الكردية ما بعد كركوك

| أنس وهيب الكردي 

خلط الانهيار السريع لقوات البيشمركة في مدينة كركوك العراقية، الأوراق على الساحة الكردية، بدرجة أكثر مما فعلته هجمة تنظيم داعش على الموصل عاصمة محافظة نينوى في العراق منتصف عام 2014.
في حينه، وجه التنظيم الذي اقترب من السيطرة على أربيل، ضربة للبيشمركة، كادت لتكون قاصمة لولا المساندة التي تلقتها من القوات الأميركية ومن عناصر حزب العمال الكردستاني المنتشرين في جبال قنديل على الحدود العراقية التركية.
وبالدعم الذي وفره التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، تمكنت قوات البيشمركة من التعافي والوقوف على قدميها، مع ذلك لم تكن ضربة 2014، لتمر من دون تداعيات طويلة الأمد، منها اهتزاز العلاقة بين زعيم إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني وتركيا لاشتباه الأول بدعم الأخيرة لداعش وعدم استجابتها لنداءاته لإنقاذ الوضع في محيط أربيل، لكن أبرز التداعيات لما حصل في 2014، هو تحول حزب العمال الكردستاني إلى لاعب ذو تأثير مباشر في الساحة الكردية العراقية، نتيجة أدائه في مواجهة تنظيم داعش، فضلاً عن نشوء تحالف تكتيكي بينه وبين شقيقه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، من جهة، وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى، في كل من العراق وسورية، لمكافحة تنظيم داعش.
لعقود تنافس الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه الرئيس العراقي السابق المرحوم جلال طالباني على النفوذ في شمالي العراق، وصاغ كلا الحزبين تحالفات عميقة مع المحاور المتقاطعة في المنطقة، حيث للأول علاقات قوية مع الولايات المتحدة وتركيا والسعودية والإمارات، على حين للثاني علاقات قوية مع إيران وسورية.
برز نجم بارزاني بعد وفاة طالباني ودخول الفصائل داخل حزب الأخير في صراع على خلافته، ولكن قبل ذلك كان حزب بارزاني متحالفاً مع تركيا، ومع حاجة الولايات المتحدة إلى البيشمركة كقوة برية لقتال داعش، ثم سيطرة قواتها على المناطق المتنازع عليها في شمالي العراق وبينها كركوك، تحول ميزان القوة في كردستان العراق لمصلحة بارزاني.
الأزمة السورية المندلعة منذ عام 2011، صبت أيضاً في مصلحة بارزاني؛ فهي أدت إلى تعزيز نفوذه في الساحة الكردية السورية عبر «المجلس الوطني الكردي»، وأضعفت المحور السوري الإيراني في المنطقة المتحالف مع الاتحاد الوطني الكردستاني داخل كردستان العراق، لكنها من جهة أخرى، أدت إلى انتعاش حزب العمال الكردستاني المنافس لبارزاني بين أكراد العراق والمنطقة، وكان لتوسع داعش أثره في نشوء التحالف التكتيكي بين واشنطن و«ب. ك. ك»، وهكذا باتت الساحة الكردية في المنطقة قبل موقعة كركوك، موزعة بين مشروعي بارزاني و«ب. ك. ك» وأشقائه في سورية.
جاءت معركة كركوك لتحجم مشروع بارزاني، بل حطمته، وذلك بالتزامن مع تلاشي مشروع أمير تنظيم داعش أبي بكر البغدادي، كما انحسر مشروع أمير تنظيم جبهة النصرة أبي محمد الجولاني في جزء صغير من إدلب.
لقد أعادت معركة كركرك حزب بارزاني إلى مجرد حزب كردي عراقي، وأخرجته من التوزانات الكردية على مستوى المنطقة، وأبقت حزب العمال الكردستاني متصدراً وحيداً لتلك التوازنات من دون منافس، وانتكس التحالف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وتركيا، وبزغ من جديد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني كقوة فعالة على الساحة الكردية العراقية، وسيؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل السلطة في أربيل خلال المرحلة المقبلة، لتكون عملية ترتيب النفوذ في كردستان العراق هذه المرة لمصلحة بغداد وحلفائها الإيرانيين.
التحولات الجارية على الساحتين الكردية العراقية والإقليمية، ستترك انعكاسات كبيرة على الوضع في سورية؛ فضعف الحزب الديمقراطي الكردستاني في المرحلة المقبلة ينعكس ضعفاً أيضاً على حليفه السوري «المجلس الوطني الكردي»، كما أن تصاعد تأثير الإيرانيين في شمال العراق، سيفيد الحكومة السورية.
أمر آخر كرسته معادلة كركوك في المنطقة، هو تراجع السقف الذي تسعى إلى تحقيقه القوى الكردية في المنطقة، فلقد أظهرت كركوك بؤس مراهنة أي فصيل كردي على تحقيق الاستقلال في أي جزء مما يعتبر «الوطن الكردي» الممتد على أجزاء من إيران والعراق وتركيا وسورية، مستغلاً حالة الانهيار التي تعانيها المنطقة، ليس ذلك فقط بل إن هزيمة البيشمركة في كركوك، دفعت بغداد إلى المطالبة بانتزاع الكثير من الامتيازات التي حصدتها أربيل على مدار الأعوام الماضية.
لا يمكن لهذه المعادلة، إلا أن تنتقل إلى سورية، حيث تناضل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي «بيدا»، لتحقيق «فدرالية الشمال» في «مناطق الإدارات الذاتية» الخاضعة لها في الحسكة وحلب والرقة مضيفةً إليها المناطق الغنية بالنفط والغاز في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور.
مصير هذه الفدرالية هو التالي على طاولة المنطقة، مع فارق أن واشنطن اختارت الحياد بين حليفيه رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي من جهة، وبارزاني من جهة أخرى، ولكن كيف ستلعب الإدارة الأميركية أوراقها إذا ما اندلعت «كركوك جديدة»، حول الرقة مثلاً، بين حليفتها «التكتيكية» ميليشيا «الحماية الشعبية» والجيش السوري وحلفائه الإيرانيين والروس؟ وهل تصح توقعات السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد مرة ثانية، وتبيع واشنطن الأكراد؟