سوتشي ومعابر الأزمة

| مازن بلال 

تخلق موسكو ألواناً جديدة لطيف الأزمة السورية، ولقاء سوتشي ربما لا ينقل جمال هذه المدينة بل حقيقة الصراع لإيجاد حل سياسي، فعندما بدأ الحديث عن هذا الاجتماع الموسع كانت تسميته مختلفة ومكانه على البحر المتوسط في حميميم، ولكن الانتقال به إلى البحر الأسود جاء بعد جدل ومداولات، وفي أعقاب جولة أستانا الأخيرة، وفي المقابل فإنه يعد مجازفة كبرى في مواجهة مؤتمرات أصبحت تملك تاريخها سواء في جنيف أم في أستانا، ويبدو الرفض الذي واجهته فكرة اللقاء من بعض الطيف المعارض يعود إلى أنه انتقال بالأزمة إلى موقع مختلف.
ربما ليس مهماً الحديث عن محتوى لقاء سوتشي حيث لا يكفي يوم واحد للبحث في أي قضية، ففكرة هذا الاجتماع على ما يبدو هي كسر تقاليد البحث عن حل الأزمة السورية، والذهاب بعيداً خارج المكان الذي يملك «هيبته» في جنيف حيث بقيت الأزمة حبيسة تصادم المنصات وصراع التمثيل السياسي للسوريين، ورغم أن أي لقاء في سوتشي لن يجد مساحة كافية لحل القضايا العالقة كافة لكنه بالنسبة لموسكو على الأقل يحقق غرضين:
– الأول، إعادة استخدام الداخل السوري كورقة أساسية لبدء البحث عن حل سياسي، وبالنسبة لروسيا فإن الداخل السوري لا يخضع لمعايير «المعارضة» التي يرسمها «الائتلاف» السوري المعارض، بل ينطلق من ضرورة توسيع التمثيل وذلك بغض النظر عن الاتهامات التي يتم توجيهها للمشاركين.
الداخل السوري بالنسبة لموسكو يخضع لعملية إظهار وليس فرزاً، فالقضية ليست القرب أو البعد من سياسات الحكومة بل ضرورة خلق تحرك واسع يمكنه مستقبلا أن يُنتج تشكيلات سياسية مختلفة أو يتلاشى نتيجة ظهور قوى جديدة، فالمهم لها هو عملية «التحشيد» في مواجهة المجموعات الصغيرة التي تمثل المنصات، فالمشهد السياسي لا يقدم قوى سياسية كبيرة وفاعلة بل «محاولات» و«مبادرات» سواء في الداخل والخارج.
– الثاني، تعويض القصور السياسي الموازي لمسار أستانا، حيث تسعى روسيا إلى الاستعاضة عن ضعف المسار السياسي في جنيف بمسار موازي يحفز عملية التفاوض المتعثرة، ويدفع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا إلى التحرك بشكل أكثر فاعلية سواء داخل منصات المعارضة، أو من خلال العواصم الكبرى القادرة على التأثير في مسار التفاوض.
لا تعلن روسيا بشكل رسمي أنها تخلق مساراً جديداً على مستوى التفاوض، لكنها تحدثت بشكل مباشر عن لقاء سوتشي إنه يحقق الغرض الأساسي للقرار 2254 عبر مشاركة أكبر طيف من السوريين في مسألة الحل السياسي، وهذا اتهام مباشر للمبعوث الدولي بأنه مازال يعتمد على وفود محدودة لم تعد قادرة على التوصل إلى توافقات فيما بينها، وهو تلويح أيضاً بإمكانية استبدال التمثيل في التفاوض إذا لم تستطع المنصات التوصل إلى تفاهمات للدخول في عملية سياسية مع الحكومة السورية.
من الصعب ظهور أي نتائج قوية في سوتشي، ومن المستبعد أن تشارك بعض الجهات الراديكالية في هذا الاجتماع مثل وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، لكنه إذا انعقد سيفتح مسارا ضاغطا على كل الأطراف للإسراع بالعملية السياسية لكي لا يصبح «سوتشي» منافسا لـ«جنيف»، فروسيا تجمع الداعمين لقوى المعارضة وليس فقط التشكيلات السياسية الموجودة، وهي من خلال «سوتشي» تعيد رسم شبك علاقاتها من جديد مع المشهد السياسي العام.