ممهدات لحرب؟

| أنس وهيب الكردي 

ليس قليل الأهمية أن تقترب الحرب في سورية من نهاياتها، فذلك يعني أن مسائل مصيرية سيحين وقت معالجتها والبت بشأنها، بينها على سبيل المثال لا الحصر: الدور الإيراني في المنطقة، مستقبل حزب اللـه اللبناني، المجموعات العراقية المنضوية تحت لواء «الحشد الشعبي»، والتي تشكل عدد منها لهدف أولي يتمثل في القتال بسورية، فضلاً عن مصير المسألة الكردية في الشمال السوري، جميع هذه المسائل تندرج في خانة النظام الإقليمي المتشكل، والذي هو قضية القضايا.
ومع طرد جنود الجيش السوري مع حلفائه، لمسلحي تنظيم داعش من مدينتي دير الزور والميادين في شرق سورية، فإن المعركة من أجل البوكمال باتت تحصيل حاصل، وبذلك وضع الجيش الأساس للخطوة اللاحقة التي قد تكون إما التنف أو الرقة، فبينما أعلن مستشار المرشد الأعلى للثورة في إيران للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي أن الهدف المقبل سيكون الرقة، شنت موسكو أعنف هجوم لها على الوجود الأميركي في التنف، وباقتراب سورية وحلفائها في إيران والعراق ولبنان، من حسم الحرب لمصلحتهم، فإن القوى الإقليمية الأخرى باتت قاب قوسين أو أدنى من نشوء معادلة إقليمية جديدة، تهندسها طهران، وتفاوض عليها موسكو وواشنطن لتشكيل النظام الإقليمي الجديد.
تريد القوى الإقليمية التعاطي مع إيران وحلفائها قبل أن تنتهي المعركة من أجل الشرق السوري، وينبع ذلك من عاملين، أولهما، خشيتها من ضغوط إيران ما بعد الحرب السورية، وثانيهما استغلال تلك القوى انشغال الجيش السوري وحلفائه في مجاهل البادية الشامية والجزيرة الفراتية، والمعادلة إذاً على النحو التالي: في حين لم يستكمل الجيش السوري إغلاق جبهة الشرق، تريد بعض القوى الإقليمية أن تضرب ضربتها في الغرب وتحديداً في جنوب لبنان.
هذا التفكير، يقف وراء تكاثف التعاون بين دول عربية «عصرية» وإسرائيل، بشكل لم يكن ليخطر على بال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، والذي لم يخف أنه يعمل على تحويل ذاك التعاون المتنامي إلى «تحالف» لمواجهة طهران، هدفه منع إيران من إرساء معادلتها الإقليمية الخاصة، وتحجيم نفوذها ودور حزب الله، وتقوية التيارات المناهضة للقوى المدعومة إيرانياً في العراق.
أخرج التفكير الجديد إلى العلن وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، فشن أعنف الهجمات على إيران وحلفائها في المنطقة وتوعد بـ«بتر أيديهم»، ومنذ أكثر من شهرين، والوزير السعودي يخير اللبنانيين، صراحةً، بين بلاده وحزب الله، وقبل أيام، حمل بشدة على الحزب اللبناني، ما دفع سعد الحريري إلى طلب موعد عاجل لزيارة السعودية، وهو ما تحقق ليخرج السبهان، مؤكداً «التوافق» بين الرجلين.
ترافقت حملة السبهان ضد إيران مع حملة إسرائيلية عنيفة ضدها وضد حزب اللـه اللبناني، ربما لم يأت تزامن الحملتين الإسرائيلية والسعودية مصادفة، إذ تسربت مؤخراً، أنباء في وسائل إعلام إسرائيلية عن زيارة سرية لولي العهد السعودي وزير الدفاع محمد بن سلمان إلى إسرائيل، وهو ما سارعت الرياض إلى نفيه فوراً، وجاءت هذه الزيارة المزعومة مع تكثيف المشاورات الدولية لتهدئة الوضع الإقليمي الذي وترته التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية، وفي سبيل ذلك، وصل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى إسرائيل، في حين تواترت معلومات عن زيارة موفد سوري رفيع المستوى إلى الرياض، على حين زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طهران، لينتقل ولايتي إلى بيروت بعد ساعات من مغادرة بوتين الأراضي الإيرانية، ولم يكد المسؤول الإيراني يقفل عائداً إلى بلاده، حتى طار الحريري إلى الرياض ليعلن منها استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية، ويدخل لبنان في الفراغ الحكومي مجدداً، وطبعاً جاءت الخطوة بعد أشهر من التصعيد ضد حزب اللـه مالياً، والذي تولته واشنطن والرياض.
هكذا، رفعت السعودية غطاءها عن لبنان أمام العواصف التي يمكن أن تهب على المنطقة، واستقالة الحريري، تجعل الإسرائيليين أمام خيار شن حرب على لبنان لا تكون على شاكلة حرب تموز 2006، عندما منع الخوف على حكومة فؤاد السنيورة المدعومة من الرياض والعواصم الغربية، إسرائيل من تدمير كامل البنى التحتية في لبنان، وبالمقابل تستعد السعودية لخطوتها اليمنية التالية، وبينما تخطط إسرائيل لتوجيه ضربة قاصمة لمقاتلي حزب اللـه في الجنوب اللبناني، تكثف السعودية مساعيها لتسجيل الضربة القاضية في الحرب اليمنية عبر دعم هجوم شامل لحلفائها على مواقع حركة «أنصار الله»، أي على الحوثيين، في العاصمة اليمنية صنعاء، وقد يكون التنفيذ متزامناً.
الضربة المزدوجة المتوقعة في لبنان واليمن، تأتي بعد الاختراق السعودي عراقياً، والمتمثل في زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى الرياض، وتشكيل مجلس أعلى للتنسيق بين البلدين، والعبادي المدعوم أميركياً وسعودياً، استعجل بعد نجاحه في وأد المحاولة البارزانية الانفصالية، فتح معركة الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في ربيع العام 2018 المقبل، مبكراً، عندما أعلن حرمان مقاتلي «الحشد الشعبي» من المشاركة في التصويت.
قد تشهد هذه الجبهات الثلاث خلال المرحلة المقبلة تصاعداً في التحركات الأميركية، السعودية والإسرائيلية، ولا يخفى الترابط فيما بين تلك الدول والوضع في سورية، وسيؤثر أي تصعيد هناك على المعادلات القائمة في سورية، وروسيا التي تراقب المشهد، ربما تتخذ خطوة جديدة في سورية لتهدئة التوترات الإقليمية، تماماً كما فعلت في نيسان الماضي عندما أعلنت عن عزمها إقامة «مناطق تخفيف التوتر».