الـ«لا» السورية

| رفعت البدوي 

في 2 تشرين الثاني من العام 1917 كانت القصة عبارة عن رسالة موجهة من آرثر جيمس بلفور البريطاني إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد اليهودي لإبلاغه قرار موافقة الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.
هذا ما درسناه في كتب التاريخ مذ كان كتاب التاريخ دليلنا الوحيد للغوص أو فهم الأوطان والكيانات وكيفية نشأتها وحروبها وتحريرها من الانتداب وتاريخها وثوراتها وكيفية نيلها استقلالها.
بيد أن تقدم العلم والتكنولوجيا وسهولة البحث والتوثيق والتدقيق في الوثائق والاتفافات السرية كشف لنا الكثير من الحقائق التي تم تغييبها أو تحويرها عن مسارها الصحيح بهدف إبقاء حالة الجهل قائمة ومسيطرة على عقول أجيالنا وذلك بهدف طمس الحقيقة وعدم وجود أي إمكانية لكشف المستور من الأحداث التي تسهم في بناء حالة الوعي عند الإنسان العربي فور اكتشافه ما خفي من صفقات وتوابعها والتدقيق في صحة الأحداث التي رسمت مجريات التاريخ الصحيح التي أدت إلى إبرام الصفقات والمؤامرات التي سعى إليها ونفذها زعماء القبائل والعشائر وزعماء وملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية آنذاك بحق شعوبنا لتبقى في حال من التخلف وبقاء أوطاننا في حال من الاستعباد والاستعمار المستتر بهدف نهب ثرواتنا وضرب ثقافتنا وتهديم حضارتنا وضياع مستقبلنا ومستقبل أجيالنا.
صحيح أن آرثر بلفور نفذ وصية ليونيل روتشيلد بالحصول على موافقة بريطانيا بإقامة وطن قومي يهودي، لكن هذا الوعد كان يمكن اعتباره مرفوضاً وليس منزلاً وغير قابل للتنفيذ لولا تآمر وتخاذل وطمع قادة وزعماء العشائر والمناطق العربية والمتماهية مع الوعود البريطانية بتنصيبهم ملوكاً وأمراء وزعماء ورؤساء على أوصال من الأرض العربية وإيهامهم بالحصول على دول مستقلة تسمى دولاً عربية، ونتيجة لذلك التآمر وافق زعماء القبائل العربية على تنفيذ وعد بلفور باستعمار فلسطين أولاً ومن ثم الموافقة على إقامة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين طمعاً في تنصيب هذا الملك أو ذاك الأمير أو الرئيس حاكماً لمجموعة من القبائل والشعوب على بقعة جغرافية معينة سميت وطناً مستقلاً.
ولو أن زعماء العرب قالوا الـ«لا» العربية آنذاك بوجه البريطاني ووقفوا وقفة واحدة أمام استعمار فلسطين ومنع إقامة وطن قومي يهودي على أرضها، لما استطاع الغرب البريطاني والفرنسي تنفيذ وعد بلفور ولا تنفيذ اتفاقية سايكس وبيكو الرابعة التي قسمت الأرض العربية إلى أراضٍ وأوطان.
إن من يبحث في الوثائق التاريخية التي كانت محتجزه في دهاليز الخارجية البريطانية يكتشف أن تخاذل وتآمر بعض العرب هو أفظع وأخطر من وعد بلفور بمئات المرات.
إن مفاعيل وعد بلفور لم تتوقف مع تنفيذ الوعد بحد ذاته بل إن بنود وعد بلفور تفاعلت ولم تزل ارتداداتها ومفاعيلها سارية حتى يومنا هذا ليس على فلسطين وحسب بل إنها تطورت لتشمل الوطن العربي برمته في محاولة لتفتيت المفتت وتجزئة المجزأ من خلال تحويل الوطن العربي إلى أوطان وإقامة دويلات إثنية وعرقية ودينية ومذهبية وعشائرية، وكل ذلك بهدف تبرير وتشريع الوطن اليهودي.
إن من يراجع الوثيقة اليهودية في الثمانينيات من القرن الماضي يكتشف نيات وتصميم الصهيونية العالمية على تنفيذ المؤامرة الكبرى لتقسيم كل من مصر والسودان وليبيا والجزائر والعراق وسورية ولبنان وحتى السعودية والكويت، إضافة إلى اختفاء دول من الخريطة وضمها إلى دول أخرى مثل البحرين والأردن ناهيك عن اقتطاع أجزاء من قطر عربي وضمها إلى قطر عربي آخر، وكل ذلك تم التخطيط له منذ أكثر من 50 عاماً ولم يجرؤ أحد على نطق الـ«لا» العربية.
زبغنيو بريجنسكي، وضع الوثيقة الصهيونية وعمل على تنفيذها هنري كيسنجر بالتعاون مع رئيس مصر الراحل أنور السادات منذ العام 1970 فكانت حرب العبور المسرحية في العام 1973 التي انتهت باتفاقية كامب دافيد 1979 التي أخرجت مصر من المجموعة العربية ومزقتها ليبدأ معها رسم الشرق الأوسط الجديد ومن ثم جاء الاجتياح الأميركي للعراق في العام 2003 تنفيذا لما جاء بالوثيقة الصهيونية في محاولة لفرض واقع شرق أوسط جديد تلاه الزيارة الشهيرة لوزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول إلى دمشق والذي حاول فرض شروط أميركية على سورية لتكملة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهنا كانت نقطة التحول الكبرى بإشهار الـ«لا» السورية بوجه باول وشروطه الأميركية، وهذه الـ«لا» السورية أفضت إلى توجيه أول ضربة للمشروع الصهيوني من القيادة السورية المتمثلة بالرئيس بشار الأسد عندما انتفض رافضاً الشروط والضغوط ثم بشرتنا وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس بشرق أوسط جديد مع بدء حرب إسرائيل على المقاومة في لبنان عام 2006، وأيضاً تقدمت دمشق لتقود الـ«لا» السورية واتخذت موقفاً داعماً للمقاومة اللبنانية في مواجهة العدو الإسرائيلي وكانت النتيجة انهزام العدو الإسرائيلي والمشروع الصهيوني المدعوم أميركياً والممول خليجياً، فكان ما سمي زوراً الربيع العربي ومن ثم الحرب المؤامرة على سورية العروبة في العام 2011، لكن دمشق كما عهدناها، رفعت الـ«لا» السورية شعاراً وقاومت بجيشها وأبنائها وشعبها، وها هي على أبواب إكمال هزيمة المشروع الصهيوني الأميركي الخليجي وإعلان الانتصار السوري ومن ثم انتصار محور المقاومة.
الـ«لا» السورية أفضت إلى صمود أسطوري وإلى إفشال المشروع التفتيتي لسورية والعراق ولبنان، وتحويل الانكسار إلى انتصار وإلى قيام محور مقاومة متماسك من روسيا وإيران وصولا إلى لبنان وفلسطين لكل المشاريع التقسيمية والفيدرالية في المنطقة.
يبقى أن نقول لو أن الـ«لا» العربية استعملت بوجه وعد بلفور آنذاك في العام 1917، لما استمرت مآسينا مئة عام من التاريخ المزور ومن الجهل العربي المطبق والحروب المدمرة والثروات العربية المهدورة والمنهوبة.
إن الـ«لا» السورية وصمود سورية، أنقذا المنطقة وجنبا شعبنا وأجيالنا نسخة منقحة متجددة من وعد بلفور جديد كان من الممكن أن نرزح تحت تأثيره لمئة عام قادمة.