مآلات الرقة

| محمود الصالح

يبدو أن الصورة التي بدأت ترتسم للمنطقة الشرقية قد أصبحت أكثر وضوحا مع التقدم الذي يحرزه الجيش العربي السوري، والتهاوي الكبير لتنظيم داعش الإرهابي في سورية والعراق.
تشير هذه الصورة إلى معطيات جديدة يتم التفاعل معها محليا وإقليميا تتعلق بحسم المعركة في سورية، والبعض يرى أن من أهم المعطيات التي بدأت تتبلور هو التراجع الكبير في الدور الأميركي والتركي في سورية، بالتوازي مع تعاظم الدور الروسي الذي أصبح يمسك في جميع الملفات الأساسية ويحرك الأوراق وفق إستراتيجية يعتقد البعض أنها ترسم بالتوافق فيها مع الأميركيين في الخفاء، بناء على طلب واشنطن لعدم إثارة الحلفاء، ومن هم في قائمة نصف الصداقة الإيرانية أصبحوا على يقين أن الحلول في سورية لن تمر إلا من بوابة قاسيون وبسمة الجيش العربي السوري، لأنه لا مؤتمر لـ«الشعوب السورية» في حميميم، بل «مؤتمر للحوار الوطني السوري»، ولا مناطق حكم ذاتي بعد أن سقطت المناطق «الآمنة» أمنيا، لأن الأمن لا يحققه إلا الجيش العربي السوري، ولا علم يسمح له أن يرفرف فوق التراب الوطني إلا علم الجمهورية العربية السورية، وهذه الحقائق أصبحت واضحة للجميع وأن القرار كان ومازال وسيبقى في دمشق.
البعض ممن يطالبون بالحكم الذاتي في الشمال السوري، يقولون: إن أكراد سورية ليسوا كأكراد العراق، وإذا تنازل الأكراد عن تحقيق هذا الحلم، فإن قياداتهم ستسقط كما سقط بارزاني، وهؤلاء يحملون بعض من يدعون تمثيل المكون الكردي أكبر مما يستطيع أن يحمل.
إن الدعم الأميركي لـ«قسد» بدأ يتراجع من خلال التصريحات الرسمية التي تغازل الأتراك بأن مهمة المستشارين الأميركيين لدى «قسد» سوف تنتهي مع انتهاء داعش، ومن غير الوارد أن تساعد الإدارة الأميركية على إقامة كيان في شمال سورية.
الروس، من جانبهم، لديهم في جيوبهم وثائق من «عمداء» الأكراد بعدم المطالبة من الحكومة السورية بأكثر من امتيازات لمناطقهم تكاد تكون صورة متطورة لقانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 107 لعام 2011، ولذلك فإن موسكو تعمل على تبريد بعض الرؤوس الكردية الحامية لإيصالها إلى قناعة كاملة بفشل المشروع الإسرائيلي الأميركي في سورية.
الحقيقة التي أصبحت واضحة كعين الشمس هي أن القيادة السورية ليست بوارد مجرد التفكير بكل ما يتم الحديث عنه حول ما يشاع عن حكم ذاتي في الشمال السوري، وانسجاما مع كل ذلك، فالقرار اليوم ربما ينحو نحو تأجيل معركة إدلب على الرغم من الإعداد اللوجستي الكثيف لها، والتوجه إلى الرقة بعد انتهاء معارك البوكمال، لأنه وباستعادة السيطرة على الرقة يتحقق التكامل الجغرافي بين جميع المناطق السورية، والأهم من كل ذلك الإجهاز على الأحلام الصهيونية من خلال ولادة جبهة جديدة ضد كيان الاحتلال من طهران إلى بيروت، جبهة متماسكة سياسيا وأيدلوجيا واقتصاديا وبشريا، كفيلة بنجاح المشروع المقاوم.
كما أرادت واشنطن أن تكون الرقة مركزا للدولة الإسلامية «المزعومة»، ستكون هذه المدينة القطعة الأخيرة لاكتمال «بزل» الصورة النهائية لمشروع المقاومة.