الطريدة السورية تنأى بعيداً

| عبد المنعم علي عيسى

لم يكن خافياً أن موسكو التي حصلت على ضوء أميركي أخضر لتدخلها العسكري وانطلاق «عاصفة السوخوي» في 30 أيلول 2015 وكذا إطلاق يدها في التسوية السياسية السورية، كان قد تمظهر في توافقات كانون الأول الماضي التي أفضت إلى نقطة تحول كبرى في الحرب السورية تمثلت باستعادة السيطرة على مدينة حلب.
موسكو هذه كانت قد جهدت في الآونة الأخيرة في ترسيخ ذينك الضوءين ومجمل المكاسب المستحصلة منهما لترسيخها واقعاً على الأرض، يخدم مسارها وأهدافها التي تسعى إليها، انطلاقاً من أنها تدرك أن تلك الأضواء الأميركية الخضراء إنما هي حالة مرهونة بزمن وظرف محددين وبمسار أحداث معين، ولا يمكن لها أن تكون دائمة، بل ليس من المستبعد أن تشهد الأزمة السورية هكذا ومن دون مقدمات، عودة أميركية، إذ لطالما احتفظت واشنطن بالعديد من خطوط الرجعة ولا يصعب على المتابع لحظها أو تبين خطوطها.
كانت المحاولة الروسية في عملية الترسيخ، سابقة الذكر، تتمثل في مسعى يرمي إلى تثقيل مسار أستانا على حساب مسار جنيف في محاولة للتخلص من عبء وأثقال قوى «جينيفية» لا تبدو منسجمة مع ذلك المزاج الروسي الذي يسعى في نهاية المطاف إلى تهميشها، لكن على الرغم من مرور سبع جولات من المسار الأول «أستانا»، وعلى الرغم من العديد من الاختراقات التي كان أبرزها في الجولة السادسة ما بين 6-15 أيلول الماضي عندما أضيفت مدينة إدلب كمنطقة رابعة من «مناطق تخفيف التوتر» في خطوة لها العديد من الدلالات والتداعيات بحكم تحول المدينة إلى مركز ثقل للعديد من الفصائل المسلحة أبرزها جبهة النصرة، على الرغم من كل ذلك، إلا أن النجاح الروسي في تلك المحاولة، بقي محدوداً أو أنه لم يستطع تحقيق المطلوب منه، وربما اكتشفت موسكو في لحظة من اللحظات، أن استمرار الرهان عليه يبدو أمراً خاسراً، وعليه كان لابد من القيام بأحداث تحول ما، وعندما رفضت الفكرة الروسية بقيام حوار سوري سوري في القاعدة الروسية «حميميم» بدواع أمنية، تولدت الفكرة بإطلاق ذلك الحوار في المنتجع الروسي على البحر الأسود في مدينة سوتشي، على أن تقلع السفن المتحاورة يوم 18 تشرين الثاني الحالي كما أقرت الجولة السابعة الأخيرة من أستانا في 31 تشرين الأول الماضي.
بدا الروس في الجولة الأخيرة وكأنهم شديدو التفاؤل، حتى إنهم أعلنوا أن مهمتهم العسكرية سوف تنتهي نهاية هذا العام، وإن كانوا قد أعلنوا أيضاً أنهم سوف يبقون على قوة عسكرية كافية لردع الإرهابيين في حال معاودتهم، وربما يتبدى ذلك التفاؤل نابعاً من أمرين اثنين: الأول هو الصمت الأميركي، والثاني يتمثل في وقائع الميدان السوري، على حين تشير العديد من المؤشرات إلى وجود العديد من موانع التفاؤل تجاه إطلاق موسكو لذلك المسار الطموح الذي لم يكد حبره يجف حتى تصادم برفض فرنسي بريطاني، هو دون شك ممثل للموقف الأوروبي برمته، فقد سارعت كل من باريس ولندن إلى التشكيك بالنيات الروسية مع تأكيدهما على أن مسار جنيف هو الوحيد القادر أن يلد من رحمه تسوية سياسية للأزمة السورية، ولابد أن هذا الرفض كان متوقعاً قياسا إلى أن مسار سوتشي يهدد الأوروبيين برميهم خارج المستطيل الأخضر السوري، في الوقت الذي كانت فيه الشركات الأوروبية تقوم بتمارين الإحماء اللازمة قبيل النزول إلى الميدان.
الأمر نفسه ينطبق على قوى إقليمية أيضاً في مقدمها السعودية، التي سارعت هي الأخرى إلى إعلان رفضها الذي جاء بلسان الائتلاف السوري المعارض، على حين أن الموقف التركي المعلن يقول إن أنقرة كانت قد نصحت «الائتلاف» المعارض بحضور اجتماع حميميم، وبالتالي سوتشي الذي يعتبر امتداداً للفكرة، والتعاطي معه بشكل إيجابي، مع الاحتفاظ بشرط وحيد هو غياب «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي الذي تصنفه بأنه الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني، أما المبطن في الموقف التركي فعلى الأرجح، أن هذا الأخير يبدو مغايراً بدرجة ما لما هو معلن، فأنقرة تملك العديد من أوراق الضغط على «الائتلاف» المعارض التي تمكنها من القيام بدور يتجاوز النصائح بكثير.
عشية انعقاد الجولة السابعة من أستانا في 30 تشرين الأول الماضي، وبعيد إعلان «قوات سورية الديمقراطية – قسد» عن طرد داعش من الرقة في 20 تشرين الأول الماضي، كانت قد سرت تصريحات روسية أميركية هي أشبه بالدعوات، إلى قيام حكم المجالس المحلية، وتلك دعوة صريحة لقيام فدرالية سورية بصيغة مخففة، وتتلاقى بدرجة كبيرة مع الرغبة الأوروبية التي تعلن تأييدها لـ«فدرلة» سورية، ومن الناحية العملية، هي تتلاقى أيضاً مع الممارسات التي قامت بها الفصائل المسلحة التي على الرغم من إعلانها لرفض ذلك المسار، إلا أنها كانت تمارس العمل على إقامة الفدرالية وترسيخها، وإلا ماذا تعني عملية إدارة المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة من خلال حكم المجالس التي لا تعترف بما هو محيط بها، وكأنها كيان مستقل بذاته.
ما يثير المخاوف السورية اليوم هو أن صانع القرار السياسي الروسي يبدو مستعجلاً في محاولاته لإقفال الملف السوري وبأي صورة من الصور، انطلاقاً من أن هناك العديد من الملفات الساخنة التي تنتظر تعاطيه معها بشكل أكثر فعالية، فيما رؤيته تقول كما يبدو: إن من الصعب على موسكو مقاربة تلك الملفات الساخنة، مثل أوكرانيا والدرع الصاروخية، في ظل ملف سوري ساخن أيضاً، ولذا فإن الخشية أن تأتي عملية إطفاء الحريق الراهنة التي تحاول القاهرة مؤخراً لعب دور فيها وإن بدا ذلك الدور بشكل خجول أو إنه بسيط، وكأنه غير مدرك للقدرات المصرية التي تمكنها من لعب دور هو أكبر بكثير من هذا الذي تحاول لعبه الآن، الخشية أن تأتي تلك العملية لتكرس الجغرافيا السورية مسباراً إقليمياً ودولياً يمكن من خلاله تحديد التوازنات أو المعادلات السياسية القائمة في المنطقة والعالم، تماماً كما كان الأمر عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وبدرجة ما، كما هو عليه حال هذا الأخير في المراحل القليلة المنصرمة على نحو ما تشير إليه عملية الاستقالة التي أعلنها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يوم 4 تشرين الأول الماضي، فهي من دون شك أعادت إلى الذاكرة الدور الذي لعبه لبنان سابقاً عندما كان مؤثراً على مراكز الثقل الإقليمية وأوزان اللاعبين فيها.