الشعوب العربية اقتنعت أن ما يجري هي حرب بينهم وبين عملاء أميركا والصهيونية من الأنظمة … إنجازات محور المقاومة وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

| محمد درويش قيس 

أحدث ما يسمى «ثورات الربيع العربي» حالة من الفوضى والدمار في البلاد التي عصف بها، حيث أثقل كاهل تلك الشعوب، وأصبح كابوساً غير مرحب به، ولا يمكن وصفه إلا ربيع القتل والدمار والاستعلاء على الحق.
لم تكن قضية فلسطين بعيدة عن أنواء هذا الربيع القاتم، حيث دخلت في سبات عميق نتيجة لما أحدثه ذلك «الربيع» من عقبات خطيرة ليس على واقع العرب فقط، بل تجاوز ذلك للقضية الفلسطينية العادلة التي وصلت في مرحلة ما، إلى أدنى مستويات الاهتمام بها، بل تكاد تكون في مهب الريح، والسبب المباشر لذلك أن هذه «الثورات السوداء» ساهمت في إرهاق الشعوب العربية وتحميلها ما لا يطاق من الويلات والمآسي ما لم تتحمله أي أمة أخرى على مرِ الزمان، فكان نتاج ذلك انشغال تلك الشعوب وأنظمتها بلملمة جراحها.
دفعت القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً جراء اندلاع «الربيع الأسود»، ومن مظاهر ذلك أن العامل الذاتي الفلسطيني بات أضعف في مواجهة الاحتلال والهيمنة الأميركية، ولم يعد قادراً على حسم القضايا الداخلية والوطنية مثل إنهاء الانقسام في الصف الفلسطيني.
كما أن الزخم الجماهيري والدعم الشعبي العربي تراجع تجاه قضية الشعب الفلسطيني إلى درجة بات التفكير يتجه إلى أن القضية الفلسطينية تبدو أبعد ما يكون في الأجندة القومية العربية، وكذلك الحال بالنسبة للأجندة الإعلامية العربية، وخير دليل على ذلك إذا قارنا الهبة الشعبية والحشد والمناصرة للقضية الفلسطينية بين انتفاضة الأقصى عام 2000 وانتفاضة القدس التي اندلعت بالأمس القريب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومقابل هذا الواقع القاتم للوضع الفلسطيني في ظل هذا الزلزال الذي ألمَ ببعض الدول العربية، ظهر إلى العلن حلف ومحور المقاومة، وحقق المزيد من الانتصارات، فكان أن اشتدت الهجمة المعادية عليه، ليس فقط من قبل الكيان الصهيوني الغاصب والولايات المتحدة الأميركية وقوى الاستعمار الغربي، بل القوى المرتعدة عربياً والخائفة على عروشها.
ولعل أهم نتائج هذه الانتصارات التي تجلت في الأشهر الأخيرة، وكانت نتاج سبع سنوات من الصمود السوري الأسطوري عسكرياً وسياسياً مدعومة بوجه خاص من الأشقاء الإيرانيين والمقاومين اللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم، ويساندهم في ذلك موقف الاتحاد الروسي الذي كان وما زال مناصراً لقضايا وحقوق الشعوب المستضعفة، أن جعلت الشعوب العربية تستفيق من سباتها وتدرك أخيراً أن ما يجري ليس حراكاً شعبياً يسعى إلى الحرية والعدالة ومكافحة الفساد والظلم، بل هي حرب شرسة ومؤامرة كونية تسعى لتحقيق أهداف صهيوأميركية، ولعل من أهمها طمس القضية الفلسطينية وخنقها تمهيداً لإنهائها بصفقات مشبوهة تقضي على أمل الشعب الفلسطيني بالتحرر والعودة.
ومع كل انتصار يحققه محور المقاومة في سورية والعراق وكذلك في اليمن، تتصاعد الحرب والحملات المسعورة على المقاومة وحلفها بشكل غير مسبوق، فالحملة على تجريم المقاومة اللبنانية ومحاولة تشويه سمعتها والتهديدات التي يطلقها قادة الكيان الصهيوني بشن حرب على لبنان وسورية لحماية أمنه القومي ووجوده، تأتي في إطار الرعب الذي أصبح يتملك هذا العدو بعد فشل كافة المشاريع المعادية والمشبوهة بالمنطقة.
إن انتصار مشروع المقاومة في سورية والعراق على وجه التحديد، يجعل العدو الصهيوني يتخوف من أنه لن يكون بمقدوره الظهور كما كان سابقاً بمظهر القوة المقررة في المنطقة، وأن أمنه ووجوده يواجه خطراً جدياً، ولجأ العدو إلى وكلائه بالمنطقة الذين لا يريدون لثقافة المقاومة ونهج خيار المقاومة أن يتجذر ويتطور ويتمدد، فهو يقضُ عروشهم ومصالحهم واستمرار نهبهم لخيرات وثروات بلدانهم، وليس أمام هذه الأنظمة السوداء، وفي ظل أي انتصار لمحور المقاومة، إلا إثارة النعرات والفتن المذهبية والطائفية والجهوية، لكي تبقى الشعوب منهكة ودائمة الاحتراب الداخلي وملتهية عن عدوها الرئيسي.
وعندما يشعر العدو الصهيوني بالفشل في تحقيق ما يصبو إليه من أهداف شريرة عن طريق عملائه بالمنطقة، تدخل مباشرة في هذه الحرب على المحور المقاوم وبالذات القطر العربي السوري، قلب المقاومة النابض، فلم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على الأراضي السورية، في رسالة دعم واضحة ومباشرة لعصابات الإرهاب والإجرام ومن يساندها من الأنظمة المتهالكة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، في مواجهة هذه الهجمة البربرية الظالمة لقوى الاستكبار العالمي على المنطقة، وبالذات على سورية العروبة والمقاومة:
كيف أثرت الانتصارات التي حققها محور المقاومة في وقف هذه الهجمة وأهدافها الخبيثة، ولاسيما بالنسبة لقضية العرب المركزية، وهي القضية الفلسطينية؟
إن من أهم تجليات الانتصار العسكري والسياسي الذي تحقق على الجبهة السورية، حيث يسجل الجيش العربي السوري يومياً انتصاراً جديداً على القوى الظلامية بتلاحم القيادة مع الشعب والجيش الآتي:
أولاً: تولد القناعة لدى الشعوب العربية أن ما يجري اليوم على أراضيهم هي حرب بين شعوب المنطقة وبين عملاء أميركا والصهيونية والغرب من الأنظمة العربية الرجعية، هدفها تدمير بلدان المنطقة وشرذمة شعوبها وهدر ثرواتها من أجل ضمان بقاء إسرائيل.
ونلمس ذلك في تزاحم زيارات الوفود الشعبية والنيابية لدى العديد من الدول العربية إلى القطر العربي السوري للتعبير عن فرحتها بانتصارات الجيش العربي السوري ومساندتها لسورية الصمود.
ثانياً، الخلاف الذي دب بين بعض الأنظمة العربية الداعمة للإرهاب، ولاسيما بعد أن فقدت الأمل في تحقيق أي إنجاز على الأرض في الدول التي تعرضت لغدرها، ما جعل هذه الدول تتبادل الاتهامات فيما بينها بدعم الإرهاب، مع أنها مجتمعة ومتضامنة كانت إلى جانب كل العصابات الإرهابية التي قاتلت وما زالت تقاتل الجيوش الوطنية العربية وتزعزع أمن الشعوب في هذه الدول.
ثالثاً: إن انتفاضة القدس الأخيرة في وجه الظلام الصهيوني لم تكن لتكون بهذا العنفوان لولا شعور المواطن الفلسطيني بأن محور المقاومة يتجه نحو النصر في وجه مشاريع التصفية للقضية الفلسطينية، فلا يغربن عن بال أحد أن أي انتصار للمقاومة في وجه المشاريع الصهيونية والامبريالية الأميركية يتلمسه مباشرة شعبنا الفلسطيني، فيشعر ببريق أمل نحو الانتصار الحاسم بتحرير الأرض وعودة اللاجئين لأرضهم.
ولاشك أن التصريحات التي صدرت مؤخراً عن قادة محور المقاومة ورغم الجراح والمآسي التي حلت بالمنطقة، كان لها الأثر الفاعل في عودة النشاط المقاوم بكل اتجاهاته، فنشوة الانتصار في أي بلد مقاوم تنعكس إيجاباً وبشكل مباشر على الروح المعنوية للمقاومين في فلسطين المحتلة.
فالقطر العربي السوري المقاوم الصامد، ورغم ما أصاب هذا البلد من ويلات الحرب الكونية ضده، لم يغب الخطاب المقاوم والداعم لفلسطين وشعبها عن لسان قيادته وإعلامه، في وقت نرى أن مثل هذا الخطاب قد تلاشي لدى الكثير من الدول العربية وأجهزتها الإعلامية.
ولا أدل على ذلك مما ورد في خطاب السيد رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد بتاريخ 20/8/2017 في مؤتمر وزارة الخارجية والمغتربين من أن قضية فلسطين كانت وستبقى البوصلة، ولن تتخلى سورية عنها، وهذا الخطاب القومي الشريف لم نسمعه من أي مسؤول عربي، بل يكاد لا يجرؤ هؤلاء على النطق بهذه العبارات، بينما بقيت سورية قيادة وشعباً رغم الجراح وفية ومخلصة لقضية الشعب الفلسطيني قولاً وممارسة، ولم تؤثر الأحداث التي عصفت بسورية على ذلك الموقف المشرف والنبيل.
ولم يغب الشأن الفلسطيني عن بال حزب الله المقاوم ممثلاً بأمينه العام السيد حسن نصر الله فلا يخلو أي من خطاباته من موقف داعم للشعب الفلسطيني وخشيته من المؤامرات التي تحاك ضده، حيث أكد السيد نصر الله أن أحد أهم الأسباب لما يجري اليوم في هذه المنطقة من حروب واضطرابات هو الوصول إلى تهيئة المناخات على مختلف الصعد السياسية والرسمية والشعبية لإنهاء القضية الفلسطينية، وفرض تسوية لمصلحة العدو الإسرائيلي وشروطه على حساب الشعب الفلسطيني، وأشار إلى أن ما عمل محور المقاومة وما زال يعمل لإفشال هذا الهدف الكبير الذي يتم العمل له.
ولا يمكن لأحد أن يتجاهل موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثابت من القضية الفلسطينية، والذي ساهم بشكل مباشر في إفشال المؤامرة الكبرى التي خططت لها الصهيونية وأمريكا والحكومات الرجعية العربية لتصفية القضية الفلسطينية، بعيداً عن الخلفيات المذهبية أو الطائفية.
لقد كان النموذج الإيراني كنظام ومواقف هو نموذج إسلامي أصيل يتسامى على الطائفية والقومية، واتضح هذا من خلال الموقف الإيراني المبدئي والثابت من القضية الفلسطينية، ومن فصائل المقاومة الفلسطينية بالذات، وقد دفعت إيران بسبب ذلك أثماناً باهظة دون أن يدفعها ذلك إلى التراجع عن نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم».
وفي خضم الانتصارات الحالية لمحور المقاومة أتت تصريحات الرئيس الإيراني السيد حسن روحاني في كلمة له خلال عرض عسكري في طهران يوم الجمعة في الثاني والعشرين من أيلول عام 2017 التي أكد فيها أن إيران ستبقى مع الشعب الفلسطيني المظلوم تدعمه وبكل الوسائل، وهي تصريحات ليست غريبة عن قادة الثورة الإسلامية الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران.
رابعاً: إن ما يشاع في دهاليز الإعلام عن «صفقة القرن» التي تشيع لها وتسعى لتنفيذها الولايات المتحدة الأميركية ضمن الإطار الإقليمي والتي من أحد أهدافها الرئيسية تصفية القضية الفلسطينية وشرعنة وعلنية التطبيع مع العدو الصهيوني سيصبح من الصعب التسويق لها، وسيحاولون تجميدها مؤقتاً بعد هذه المتغيرات التي تجلت بانتصارات محور المقاومة على جميع الصعد وفي أكثر من مكان.
خامساً: لقد كان من تداعيات الانتصارات الساحقة لمحور المقاومة أيضاً أن سعت بعض قيادات حركة حماس إلى تغيير الموقف الشاذ الذي تبنته قيادتها السياسية، والذي ينم عن غدر وخيانة لا يمكن تصورها تجاه نهج المقاومة، حيث انتقلت قيادة هذه الحركة وبسرعة خيالية من كنف المحور المقاوم – المتمثل بالقطر العربي السوري خاصة- إلى حضن الاتجاه المعادي الرجعي التصفوي، مجاهرة في موقفها الدنيء المؤيد للجماعات الإرهابية التي فتكت بالحجر والبشر في سورية فوقفت في هذا إلى جانب العدو الصهيوني الداعم العلني لهذه العصابات. وما إن بدأت انتصارات الجيش العربي السوري والحلفاء تظهر في الأفق، حتى تداعت القيادة البديلة عن القيادة السابقة إلى إطلاق التصريحات التي تحاول من خلالها التقرب إلى محور المقاومة ومحاولة إعادة العلاقات مع القيادة السورية، وإن كان من الصعب أن يلتئم الجرح الذي تسببت فيه قيادة هذه الحركة للشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى.
وقد تجلى خضوع هذه القيادة الجديدة لحماس لمنطق وحدة الشعب الفلسطيني ولو ظاهرياً من خلال الاتفاق الأخير في القاهرة، الذي لم يك ليرى النور لولا المتغيرات الإيجابية والانتصارات التي تحققت على يد الصف المقاوم في منطقتنا العربية.
ورغم هذه الثقوب السوداء في رداء المقاومة الفلسطينية الأبيض، فإن خيار المقاومة سيظل هو السنة الكونية التي تحقق منها الإنسان عبر القرون السابقة لنيل حريته واستقلاله وكرامته.
 رئيس الدائرة السياسية في طلائع حرب التحرير الشعبية – قوات الصاعقة