درس أردوغان في بلاط سلمان

| وسام جديد 

تحدثت الكثير من الآراء والأفكار مؤخراً، عن أن السعودية مقبلة على مشكلات داخلية وأمنية ستتطور إلى حالة من الصدام الواسع في البلاد نتيجة تجاوزات آل سعود وتحاصصهم بينهم للسلطة والقرارات وحتى ثروات المملكة، لكن هذه الآراء كانت تفتقر إلى التحليل المنطقي للأحداث والأوضاع في مملكة الرمال، حيث كانت أقرب للتمنيات والخيال منها للواقع ومجريات الأمور هناك.
وتحولت هذه التمنيات إلى معطيات تجعل من سيناريوهات الصدام أمراً ممكن الحدوث، لكن هذه المرة ليس بين الشعب السعودي والطبقة الحاكمة، وإنما بين المتنافسين على العرش الوهابي في البلاد، وذلك بعد أن تحرك سلمان وولي عهده ابنه محمد بصورة «مفاجئة» وأمرا بإلقاء القبض على عدد كبير من الأمراء والوزراء، الحاليين والسابقين، إضافة إلى أسماء مهمة في الجيش والإعلام والاقتصاد.
المعتقلون هم: الشخصية الأقوى أمنياً وعسكرياً، وزير الحرس الوطني، الأمير متعب بن عبد اللـه، مساعد وزير الدفاع الأسبق الأمير فهد بن عبد اللـه بن محمد آل سعود، قائد القوات البحرية السعودية عبد اللـه السلطان، رجل الأعمال الشهير ومالك «روتانا» الأمير الوليد بن طلال، رئيس مجموعة MBC التلفزيونية وليد بن إبراهيم بن عبد العزيز آل إبراهيم، مؤسس راديو وتلفزيون العرب ART صالح عبد الله كامل، رئيس مجموعة بن لادن السعودية بكر بن لادن، رجل الأعمال محمد العمودي، وزير الاقتصاد والتخطيط عادل فقيه.
الأسماء التي تم ذكرها سلفاً كفيلة بطرح أفكار كثيرة عما يحصل الآن في مملكة آل سعود، ومنها استكمال سلمان بن عبد العزيز سيطرته هو وولده على البلاد وإزاحة أي قوة سياسية أو أمنية أو إعلامية أو اقتصادية، يمكن أن تشكل حجر عثرة أمام تنفيذ مخططهم الهادف لاستكمال نهج الملك عبد اللـه بن عبد العزيز في تغيير طريقة انتقال مقاليد الحكم في البلاد التي وضعها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود حيث كانت تنتقل، منذ وفاة عبد العزيز بين أبنائه من أخ إلى آخر لا من الأب إلى ابنه البكر.
في 23 كانون الثاني 2015، وعقب موت عبد اللـه بن عبد العزيز، استلم سلمان مقاليد الحكم على أن يكون أخوه مقرن ولياً للعهد، لكن ما لبث سلمان أن أطاح بأخيه ونقل ولاية العهد مباشرة إلى جيل الأحفاد، واللعبة ذاتها حاول تنفيذها رئيس الديوان الملكي السعودي سابقاً خالد التويجري، وهو أحد الذين تم إلقاء القبض عليها السبت الماضي، مع الأمير متعب بن عبد اللـه بن عبد العزيز، إذ كانا يروجان لضرورة تنحي ولي العهد آنذاك، الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز، لكبره وعجزه المحتمل عن أداء مهام الملك، ليصعد أخوه مقرن ويليه الأمير الحفيد، متعب بن عبد اللـه وليًا لولي العهد، فيكون بذلك أول الأحفاد الملوك، لكن عاجل الموت أباه، وذهب المُلك لسلمان العجوز.
إعفاء مقرن جاء في شهر نيسان 2015، أي بعد 3 أشهر من استلام سلمان مقاليد الحكم، وسبق ذلك جملة من التغييرات المهمة، إذ أطاح الملك سلمان بعد سويعات من وفاة أخيه وحتى قبل أن تقر له هيئة البيعة بالحكم رسمياً، الثنائي خالد التويجري والأمير متعب، وثالثهما رئيس الاستخبارات العامة والأمين العام لمجلس الأمن الوطني بمرتبة وزير بندر بن سلطان.
كل الإطاحات السابقة والأخيرة منها، تفرض واقعاً جديداً لكنه لن يبقى مستقراً، حيث إن سلمان بن عبد العزيز من السديريين السبعة، وهو مسمى أطلق على سبعة من أبناء الملك عبد العزيز من زوجته حصة بنت أحمد السديري، حيث شكلوا حتى استلام سلمان لتقاليد الحكم، أقوى تحالف بين أبناء ابن سعود من الذكور، لكن هذا التحالف أصبح من الماضي، لتنتقل بحكم الإطاحات هذه، تقاليد الحكم على العرش الوهابي من بني عبد العزيز إلى بني سلمان، وهذا لن يعجب بالطبع باقي الأمراء والقوى داخل آل سعود، ما قد يولد ردود فعل قد نشهدها إن كان بالوقت القريب أو مستقبلاً لكنها قادمة لا محالة.
يبدو أن درس رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان أفاد سلمان جيداً، لكنه جاء بشكل آخر، فهناك، أي في تركيا، جاءت حركة أردوغان للتخلص من منافسيه ومعارضيه عبر «انقلاب فاشل» عليه، ما أعطاه الحجة للقيام بحملة ضخمة في البلاد تم على أثرها إلقاء القبض على الآلاف من العسكريين والأمنيين والمسؤولين والموظفين بتهمة «مشاركتهم» في الانقلاب، بينما في السعودية كان الأمر بحجة «مكافحة» فساد مستشر في الطبقة الحاكمة كلها من دون استثناء، لكنها حجة جميلة تدغدغ مشاعر المواطنين وترضي دول الغرب بفكرة أن لا مكان للفساد بعد اليوم في السعودية، لكنها في النهاية ما هي إلا استمرار للوهابية بجلد جديد.