بين داعش وكردستان الكبرى.. محور المقاومة صمام الأمان

| فارس رياض الجيرودي 

نشهد في منطقتنا هذه الأيام ومع مرور ذكرى وعد بلفور، حدثين كاشفين، يمكن أن يشكلا إطاراً ملائماً لنسف طبقات متراكمة من الأساطير التي رسختها الآلة الإعلامية الضخمة المعادية لمحور المقاومة طوال السنوات الماضية، وحاولت من خلالها أن تغير وعي ووجدان شعوب المنطقة لأجيال قادمة.
لذلك يجب ألا يمر الحدثان بشكل عابر ودون أن تعرف شعوبنا من كاد لها ومن تآمر على أمنها واستقرارها وشوه ثقافتها ودينها من جهة، ومن دافع عن أمنها واستقرارها من الجهة الأخرى.
الحدث الأول: إنجاز الإجهاز على داعش في سورية والعراق ولبنان، وذلك مع اقتراب إطباق كفي الكماشة السورية العراقية على من تبقى من مقاتلي التنظيم في منطقة الحدود بين البلدين.
الحدث الثاني: إنجاز إفشال مشروع انفصال كردستان العراق الذي تم عبر ما يشبه حركة شطرنج بارعة انتزع خلالها الجيش والحشد العراقيين منطقة كركوك الغنية بالنفط، بعد عملية تنسيق مع أطراف كردية معارضة لرئيس الإقليم المستقيل مسعود بارزاني، قام بها الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي زار السليمانية وقرأ الفاتحة على ضريح الرئيس العراقي السابق الكردي جلال الطالباني، ملتقياً قيادات من حزب طالباني الذي كان مقربا في حياته لكل من طهران ودمشق، لينسق سليماني عبر حركة العلاقات العامة البسيطة تلك، الإجهاز على أكبر مخطط تآمري استهدف وحدة دول المنطقة، واستثمرت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل منذ الستينيات من الجهود الاستخباراتية الكثير، وخبأته كورقة رابحة للاستخدام في الوقت المناسب.
لكن الإدارة الإيرانية للصراع نزعت الفتيل وحولت قضية كردستان إلى مناسبة لإعادة جمع شعوب ودول المنطقة، بمن فيهم المكون الكردي العراقي نفسه على أجندة مصالح واحدة مشتركة، بدل أن تكون كردستان القنبلة التي تفجر وحدة دول المنطقة وتغرقها في دمائها كما كان مخططاً لها، وكما كان يشتهي الأميركي والإسرائيلي والسعودي، حيث لم يخجل جنرال المخابرات السعودي السابق أنور عشقي من الظهور على شاشات التلفزيون مع إعلان بارزاني عن الاستفتاء مصرحا بأن السعودية «تقف مع كردستان الكبرى لأنها تحد من النفوذين الإيراني والتركي» على حد تعبيره.
وبينما تم إنجاز إفشال الانفصال الكردي بسلاسة ومن دون إراقة دماء، استدعت مواجهة مشروع داعش، لحجم كبير من التضحيات السورية والعراقية واللبنانية والإيرانية وأخيراً الروسية، فالتنظيم ولد ابناً غير شرعي لما سمي زورا «الربيع العربي»، وهو حركة ضخمة منسقة ومرتبة أميركياً، ولم تظهر لأن البوعزيزي أحرق نفسه كما قالت لنا قناة «الجزيرة»، ولا لأن تظاهرات محدودة هتفت في تونس لسقوط النظام، وخصوصا أن التاريخ التونسي الحديث مليء بحركات الاعتراض المحدودة، فحركة «الربيع العربي» جاءت نتيجة تلزيم الولايات المتحدة عملية التغيير المنتظرة في العالم العربي لدولة قطر، ويكفي ما اعترف به رئيس وزرائها ووزير خارجيتها السابق حمد بن جاسم في آخر ظهور له لحسم جدل انطلق مع بداية «الربيع» بين «ثورة» أو مؤامرة، فكل شيء كما قال حمد كان منسقاً ومرتباً أميركياً، والأدوار كانت موزعة على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة منذ اللحظة الأولى، ما ينزع صفة العفوية التي كانت تروج لها «الجزيرة».
مهد الراعي القطري لحركة «التثوير» المضبوطة والموجهة في العالم العربي من خلال «الجزيرة»، الظاهرة الإعلامية التي اخترقت دويلة الغاز قطر بواسطتها الوجدان العربي، وأيضاً من خلال العلاقات التي نسجتها قطر مع تنظيم الإخوان المسلمين القديم والمنتشر على الساحة العربية والذي ظل يرفع شعارات العداء للكيان الصهيوني ولأميركا عقوداً طويلة، قبل أن تنجح عملية إعادة التدوير القطرية في تغييره وجعله ينسجم بشكل تام مع المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة في منطقتنا وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل، حتى أصبحنا نرى حركة إخوانية كحركة النهضة تدافع عن قوانين التطبيع مع العدو الصهيوني في البرلمان التونسي، وصرنا نرى الشخصيات الصهيونية ضيوفاً على البرلمان المغربي الذي يسيطر الإسلاميون على الأغلبية فيه، بينما المتصدون للتطبيع في تونس والمغرب ينتمون لتيارات قومية ويسارية.
ورغم أن حركات «الربيع العربي» استندت إلى قضايا حقيقية عموما، تلامس مصالح وتطلعات قطاعات واسعة من الشعوب العربية، لكنها كانت مع ذلك ومنذ البدايات بعيدة عن أن تكون نتيجة طبيعية لسياقات التطور في المجتمعات العربية ولموزاين القوى الداخلية فيها وصولا للحالة الثورية، كما هي حال الثورة البلشفية أو الإيرانية أو حتى حركة التغيير الجذرية في المجتمع المصري التي قادها جمال عبد الناصر في مصر بعد عام 1952.
فبدلا من وجود تنظيم بقيادة واضحة يقود الثورة، رأينا ناشطين تلقوا تدريبات برعاية وتمويل قطري في الولايات المتحدة وأيضاً في دول أوروربا الشرقية، وهي الدول التي سبق أن حركت فيها الـ«سي آي إيه» ثورات ملونة بهدف محاصرة روسيا وتضييق الخناق عليها، كما أن نجاح أول ثورتين من ثورات الربيع في إسقاط رئيسين في كل من تونس ومصر، لم يكن بفضل قوة حناجر المتظاهرين كما صورت «الجزيرة» لجمهورها، بل بسبب تدخل الولايات المتحدة مباشرة مع قيادات جيشي البلدين اللذين يرتبطان بعلاقات تحالف تبعية مع واشنطن، حيث ألقى الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في لقاء مع الكاتبة المصرية لميس جابر بالمسؤولية عن سقوط حكمه كاملةً على الولايات المتحدة الأميركية، مبرئا قائد جيشه المشير محمد حسين طنطاوي من تهمة خيانته، كما أوضح وزير خارجيته أحمد أبو الغيط في لقاء على قناة «روسيا اليوم» أن مبارك شعر بتغير السياسة الأميركية تجاهه بدءاً من الولاية الثانية لجورج بوش الابن، وأن مبارك كان يردد أمامه أن «المتغطي بأميركا عريان».
اتضح لاحقاً أن الهدف من كل حركة «الربيع العربي» إسقاط الدولة السورية، وهو ما كان كفيلا لو تحقق بالإطاحة بحلف المقاومة، وبعزل حزب اللـه والمقاومة الفلسطينية، وهو أهم ما تستهدفه السياسة الأميركية في منطقتنا، حيث ضحت أميركا بحليفيها مبارك والرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي لخلق كرة ثلج متدحرجة تسقط سورية، لكن «الثورة» تعثرت في سورية، مما نتج عنه تراجع الدور القطري في الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، وإعادة الاعتبار للدور السعودي، وهذا ما يفسر ما وصفه حمد بن جاسم بـ«التهاوش على الصيدة»، فالسعودية التي انضوت قسرا خلف قطر خلال الطور الأول من الحرب السورية، انتقلت إلى منافسة القطريين على اجتذاب ولاء الجماعات المسلحة مستغلة إخفاق المشروع القطري الإخواني الذي دفع ثمنه أمير قطر الأب حمد بن خليفة بالاستقالة، وهكذا ظهرت داعش رداً على التعثر، ونتيجةً للهزيمتين الإستراتيجيتين اللتين تعرضت لهما الجماعات الإرهابية في سورية في موقعتي بابا عمرو في حمص والقصير في ريفها.
انتهى «الربيع العربي» النهاية الطبيعية والمتوقعة لحركة مولها شيوخ النفط والغاز الذين تعود عقلياتهم للقرون الوسطى، ولا يمتلكون سوى المال مع عقيدة التبعية العمياء للمصالح الاستعمارية الغربية التي مكنتهم من مشيخاتهم وإماراتهم، انتهى «الربيع» إلى داعش وجبهة النصرة، أسوأ تنظيمين فاشيين عرفتهما المنطقة العربية.
لقد ألحق «الربيع» الموهوم بثقافة ودين العرب والمسلمين أفظع تشويه، وأسال دماءهم ودمر مدنهم كما لم يحدث من قبل، وكاد ينجح، لولا صمود شعوب ودول محور المقاومة، في إغراق المنطقة بمئة عام قادمة من حروب التكفير والذبح، كما سبق أن بشر بذلك أحد أهم منظري المحافظين الجدد الأميركيين ريتشارد بيرل، ويكفينا فقط النظر لحال أفغانستان بعد ثلاثين عاماً من انتصار الحركات الوهابية المدعومة من الغرب والممولة بمال النفط فيها، لندرك حجم الخراب والموت اللذين كان يفترض أن تغرق فيهما منطقتنا.