نزار قباني مكرماً بكتابين من وزارة الثقافة .. التجليات السياسية وشعر بشموخ قاسيون

| سوسن صيداوي

مرآة واقع، صدى شارع، نبض قلب، فارس المرأة.. ليست ألقاباً، بل مفردات يمكن بها أن نعرّف عن رجل وشاعر وسياسي وثائر وعاشق وأيضاً وطني. يمقت القيود، منطلق للحضارة، متمسك بأهمية الحب في الحياة، وبضرورة التشبث بالحق الشخصي ثم الوطني وبعدها القومي. إنه الشاعر نزار قباني ذو الأصل الدمشقي، من مواليدَ 1923، درس الحقوق في جامعة دمشق، تخرّج سنة 1945، بعد ذلك انخرط في السلك الدبلوماسيّ، أصدر أول ديوان له في عام 1944 بعنوان: «قالت لي السمراء»، كما أصدر 35 ديواناً، من أهمها «طفولة نهد»، و«الرسم بالكلمات». أسّسَ دار نشر خاصّة به في العاصمة بيروت. عُرف نزار قبّاني بمآسيه الكثيرة، وكانت أول فاجعة تلّقاها وفاة شقيقته الكبرى وصال، وهي أخته من أمه حيث انتحرت لأنها لم تستطع أن تتزوج ممن تحب، حينها كان شاعرنا بعمر الخامسة عشرة، ثم وفاة والده بعدها وفاة والدته، وفي عام 1973عاش الشاعر مأساة وفاة ابنه توفيق، ثم جاءت وفاة زوجته بلقيس عام 1981. عاش نزار قباني سنوات حياته الأخيرة في لندن، وطوال تلك الفترة مال للشعر السياسيّ، ومن أشهر قصائده الأخيرة «متى يعلنون وفاة العرب؟»، وفي عام 1998 توفي ودفن في دمشق مسقط رأسه بحسب وصيته.
اليوم وتكريماً لهذه القامة، قامت وزارة الثقافة بالتعاون مع الهيئة العامة السورية للكتاب بإصدار كتابين خاصين، الأول هو (تجليات السياسة في شعر نزار قباني)، بواقع 464 صفحة من القطع الكبير، تأليف: إياد مرشد، الذي قدم كتابه بخصوصية منفردة من حيث دراسة تجربة الشاعر الكبير نزار قباني، كونه اقتصر على الجانب السياسي في شعره وحياته. وقد بسط المؤلف آراءه مدعمة بالشواهد الشعرية وغيرها. أما الكتاب الثاني فجاء بعنوان: «نزار قباني قافية شموخ قاسيون» بواقع مئتين وخمسين صفحة من إعداد د. إسماعيل مروة وأ. نزيه الخوري، متناولاً الكتاب الحديث عن حياة الشاعر الشخصية والسياسية وفي جانب كبير عن قصائده الشعرية.

في الكتاب الأول
جاء في صفحة الغلاف الأخيرة لكتاب «تجليات السياسة في شعر نزار قباني»: «لهذا الكتاب نكهة خاصة بين الكتب التي درست تجربة الشاعر الكبير نزار قباني، كونه اقتصر على الجانب السياسي في شعره وحياته، وقد بسط المؤلف آراءه مدّعمة بالشواهد الشعرية وغيرها. وهو كتاب يمنح المتعة والمعرفة، ويستحق الاهتمام، لما بذل فيه مؤلفه من جديّة في البحث والمتابعة والإحاطة بجوانب موضوعه كلها، ولما أعطاه من العناية في التنسيق والاختيار».
قسّم المؤلف إياد مرشد كتابه إلى بابين، الأول جاء بعنوان: «المفاهيم الأساسية وتطور العلاقة ما بين الشاعر وقضايا عصره»، وهو مقسّم إلى ستة فصول، حدد خلالها مفهوم الشعر السياسي، متابعاً في الفصل الثاني تأثير القضايا السياسية في تطور شخصية الشاعر، على حين بيّن المؤلف في الفصل الثالث ماهية شعره السياسي، شارحاً في الفصل الرابع الدوافع والأسباب وراء اهتمام الشاعر بالقضايا السياسية، مورداً القضايا السياسية في شعره قبل نكسة حزيران وبعدها. على حين تضمنت فصول الباب الثاني «القضايا السياسية في شعره» مقسّماً المؤلف إياها إلى أربعة فصول تتحدث عن: القضية الفلسطينية وقضية الحرية وقضية المرأة، والفصل الرابع يتحدث عن قضايا عربية متنوعة. كما ضم الكتاب في محتوياته الخاتمة ومصادر البحث ومراجعه.

في خاتمة الكتاب كلمة مؤلف
لقد توخى المؤلف إياد مرشد في بحثه الإحاطة التفصيلية بتجربة نزار قباني الشعرية، وذلك من خلال دراسة موضوعات شعره السياسي، الذي يشمل كلاً من شعره في المرأة وشعره في الوطن. وعن هذا ذكر في خاتمة بحثه «في كليهما كان نزار متألقاً مبدعاً، فكما أجاد وأبدع في شعره الغزلي، كذلك أجاد في شعره السياسي، رغم ما نابه في كليهما من اتهامات وانتقادات. لقد عاش شاعرنا واقع أمته الاجتماعي والسياسي والثقافي، إلا أنه لم يكن يوماً لسان حال حزب بعينه أو نظام سياسي، بل سعى لأن يكون صدى لصوت الشارع، بل أحياناً محركاً له وقائداً لانفعالاته، وردّات فعله تجاه مجمل المآسي والنكبات التي لاحقت الأمة العربية في القرن العشرين. وكذلك فعل عند تناوله قضايا المرأة، فلم يكن ذلك المشاعر الرومانسي المفجوع بالحب شاهراً شكواه ونحيبه لهجر أو صد، بل سعى إلى الاحتفاء بالمرأة وبتفاصيلها وملابسها وزينتها… إلخ، ولاحقاً عاش قضاياها وأعلن انتصاره لها».
رداُ على لسان البعض بأن شاعرنا أغفل بعض القضايا في أزمنة مختلفة من عمره، يقول المؤلف: «هذا لا يمثل شيئاً مهماً أمام ما جاء على ذكره في قصائده. لأنه ليس مطلوباً من الشاعر أن يكون معلقاً سياسياً أو صدى لكل واقعة سياسية. ورغم اختلاف تقييم النقاد لتجربته في معالجة قضايا الوطن والمرأة، إلا أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أنه مثّل في هذا كل ما تناوله من قضايا في شعره صوتاً متفرداً، وأسلوباً جديداً في التعاطي مع الشأن العام، صوتاً خارجاً عن الطاعة لذوي الأمر والنهي، وناقداً حاداً لمظاهر التخلف والضعف، وتصوير حالات القصور والوهن. وساهمت الأقدار على الصعيد الشخصي للشاعر وفي مراحل مختلفة من حياته في تأجيج مشاعره وزيادة التحامه مع القضايا التي كان يطرحها، فجاء انتحار أخته، ومقتل زوجته في حادث مأساوي في بيروت، ثم اضطراره لمغادرة بيروت بعد اشتعال أتون الحرب الأهلية فيها، وذهابه إلى المنفى الاختياري ليعمق من تجربته، وليزيد من جرعة التحدي والرفض للواقع الاجتماعي السياسي.
إذاً عانق نزار هموم وطنه رغم أنه لم يعش الهم وضنك الحياة، مجّد المقاومة وشعراءها رغم أنه لم يكن مقاوماً في حياته الشخصية، فلم يحمل سلاحاً، ولم ينظّر سياسياً لهذا الخط الكفاحي، لكنه اتخذ من الرفض منطلقاً واتخذ من كسر التابوهات مبدأ…. مما جعله شاعراً متمرداً في العشق والسياسة، طرح في موضوعاته إشكاليات كبرى، وعانق هموم المرأة وواقعها مرات ومرات وعالجها بسطحية في مطارح كثيرة. كما عاش قضايا وطنه بخجل في بداياته، وبعد حزيران 1967 انغمس فيها حتى صارت ديدنه. هو شاعر تنبع اهتماماته أولاً وأخيراً من وقائع يعيشها وطنه سواء على الصعيد الاجتماعي «المرأة والتخلف والجهل… إلخ أم على الصعيد السياسي قضايا الحرية وفلسطين وسواها». قرأ المجتمع العربي بعين الناقد… فرأى معاناة المرأة… فتمرد على المجتمع بعاداته وتقاليده الذي جعله التخلف يأسر الأنثى فيه. شغلته أشياء المرأة الصغيرة في بداية تجربته وتعمق في قضاياها في نضجه، ورأى الجهل ونماذجه المختلفة فهجاها دون مواربة… وعندما تفتحت عيناه على مأساة الوطن لم يقفل الباب على نفسه بل انفتح على قضايا وطنه…. تجربته الشعرية في القضايا الوطنية تطورت مع تطوره الشخصي، ومع المتغيرات في الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه وطنه. دعا إلى الحرية، وسخر من الظلم والجلادين.. لم يكن عقائدياً أو سياسياً يحمل فكراً أو أيدلوجية معينة، بل كان سياسياً يحمل قضايا وطنه.. يتألم لألمه ويرقص لفرحه. وبقدر ما دافع عن الوطن وغنّاه بقدر ما هاجمه بقسوة ومرارة وصلت إلى حدود التشفي عند هزائمه وانكساره، ورغم ما يؤخذ على شعره السياسي من مباشرة وتقديرية والذهاب إلى حدود اقترابه من البيان السياسي، إلا أنه استطاع بلغته السلسلة وصوره ولقطاته المبتكرة أن ينفذ إلى عقول الناس، وأن يستولي على قلوبهم، بحيث تمكن من تأسيس أكبر إمبراطورية للشعر في العصر الحديث مستغلاً جاذبيته الشخصية، وحضوره الإعلامي، وقربه من الشارع لغة وهمّاً ووجداناً. وإذا كان معيار الشعر الأول هو الجمهور واهتمام المتلقين بالمادة الإبداعية، فنزار شاعر جماهيري بامتياز حيث شغلت قصائده العامة قبل الخاصة وتتبع الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج قصائده وصوته الناقد بعد كل حدث سياسي. حيث كان سمته الأول والأخير هو الجمهور.
ويتابع المؤلف في بحثه معدداً بعضاً من صفات شاعرنا، قائلاً: «هو شاعر يقول كلمته بلا خوف أو وجل… كان مشاكساً في مواقفه، صارماً في معاركه الأدبية، واثقاً من حججه، لم يساوم أبداً في القضايا المصيرية للأمة كالسلام مع الكيان الإسرائيلي ورفضه للتطبيع أو دعوته لحرية المرأة». مضيفاً: «أحبه البعض أو لم يحبه، لكن الكل تناقل أشعاره، أنزل الكلمة من برجها العاجي، وأبعدها عن حذلقات الفلسفة والغموض، وجعل الشعر رغيفاً من الخبز الساخن تشتهيه كل صباح، خرج على كل تابوهات زمنه، ورسم لنفسه صورة الشاعر المتمرد».

في الكتاب الثاني
صدر كتاب «نزار قباني قافية شموخ قاسيون» بمساع من وزارة الثقافة احتفاء بالشاعر نزار قباني ضمن الشخصيات السورية التنويرية، وذلك بشكل لائق في الأربعاء الثقافي، في الندوة الثقافية التي تمت في مكتبة الأسد في دمشق، وجاء هذا الإصدار من الهيئة السورية للكتاب، ببحث في شعر نزار للدكتور وائل بركات، وبحث للموثق شمس الدين العجلاني عن الأوراق المنسية في حياة نزار، وبحث للدكتور إسماعيل مروة عن نزار وشعر القضايا، وكما ذكر أعلاه شارك بإعداد الكتاب الأستاذ نزيه خوري. البحث الأول جاء تحت عنوان: «من المرأة الأم إلى الأنثى الحرة»، تبعه البحث الثاني المعنون بـ«المنسي في سيرة نزار قباني»، ثم المبحث الثالث «نزار قباني حطم القوقعة وكان مارداً لمجتمعه وأمته»، وسنورد منها بعضاً من النقاط.

رأي نزار في القصيدة
قيل في القصائد التي ألفها شاعرنا كلام كثير، وقيل في صاحبها ما هو أكثر، ولم يسلم من وابل الاتهامات ورجم الكلام المسيء والنقد اللاذع حول قصائده مع الحوادث المهمة المرافقة لظهورها، وعن هذا يقول نزار: «بين رضى الراضين وسخط الساخطين فتحت القصيدة دربها في الدنيا العربية الكبيرة، تكسر صقيع التابوت الذي حبسنا فيه حياتنا، وتحطم القمقم المسحور الذي فسد هواؤه منذ ألف ألف قرن.. وتمزق نسيج الخيمة الكبرى التي نسجتها لنا أصابع الوهم والاتكال فجعلتنا لا ندري أن وراء جدران الخيمة زرقة تولد من زرقة». ويتابع في مكان آخر: «وإذا كنت قد لقيت في سبيل هذه القصيدة الكثير من التجريح، فأنا كبير بهذه النهاية التي انتهت بها قصيدتي… وهذا دليل على أن القصيدة استطاعت أن تقتطع الأسطورة من جذورها وتأتي إلى أبي زيد الهلالي على إيوانه.. فتخنقه!».

النفط في رؤية نزار
تحدث الكتاب وتحت العنوان المذكور أعلاه كيف كان موقف شاعرنا ممن يستغلون النفط العربي حسب أهوائهم المتخلفة المتحجرة، وبرأيه أن النفط كان نقمة على العرب بدل أن يكون نعمة لهم، مستبعداً أن يكون النفط في أيدي هؤلاء للحضارة، بل فخ وقعوا فيه وأفسدوا في الأرض، فالنفط بالنسبة لهم للملذات، ويقول الشاعر:
(تمرغ.. يا أمير النفط فوق وحول لذاتك
كممسحة.. تمرغ في ضلالاتك
لك البترول.. فاعصره
على قدمي خليلاتك
كهوف الليل في باريس.. قد قتلت مروءاتك
على أقدام مومسة هناك
دفنت ثاراتك..
فبعت القدس.. بعت الله.. بعت رماد أمواتك
كأن حرب إسرائيل لم تجهض شقيقاتك
ولم تهدم منازلنا).

نزار قباني في حرب تشرين
كان لشاعرنا قصب السبق في الحديث عن بطولة الجندي السوري في حرب تشرين، وفي خضم الصراع مع العدو الصهيوني يدرك نزار قباني أن دمشق هي خط الدفاع العربي الأول وأنها القادرة على رد الحقوق العربية قائلاً: «منذ موقعة بدر.. حتى موقعة جبل الشيخ.. والشام مواظبة على تكلم اللغة العربية وعلى تعليمها.. أن صناعة دمشق الأساسية هي العروبة.. وهذه الصناعة الدمشقية قديمة جداً.. ومشهورة جداً.. وجميع القوميين العرب خرجوا من رحمها وتتلمذوا عليها».
ويزاوج الشاعر بين الحبيبة والوطن وحرب تشرين فيقول: «هل حدث لكم أن أحببتم امرأة في زمن الحرب؟ هل حدث لكم أن واعدتم امرأة تحت جناح طائرة فانتوم محترقة في أحد شوارع دمشق؟ هل حدث لكم أن رأيتم عيني حبيبتكم على ضوء الشظايا؟ وسمعتم صوتها يخرج كالوردة، من تحت أكياس الرمل وإيقاع صفارات الإنذار؟ هل عرفتم كيف يصير وجه الحبيبة وخريطة الوطن شيئاً واحداً».

دمشق أصل الأشياء
كان شاعرنا يؤمن بعظمة الإنسان العربي السوري، وأن دمشق هي الأصل في الزمان والمكان، حيث يقول: «لا أحد يتكلم العربية مثل دمشق، ولا أحد ينطق الحروف العربية على طريقة الغساسنة والمناذرة، و«نهج البلاغة» و«العقد الفريد» و«لسان العرب» إلا دمشق، ولا أحد يحمل سلم العروبة بالعرض إلا دمشق، ولا أحد يجيد صناعة السيوف المطعمة بالذهب والفضة إلا الدمشقيون، والذين يصنعون السيوف يرثون أخلاقها».