مرة أخرى.. الغرب وتأهيل داعش

| تحسين الحلبي 

في تحليل نشره «مركز بيغين السادات للدراسات الإستراتيجية» في 26 تشرين الأول الماضي، يقول العقيد المتقاعد من الجيش الإسرائيلي موردخاي كيدار الذي خدم 25 سنة في المخابرات العسكرية، إنه من الصعب جداً إنهاء وجود داعش ومن يحمل أفكارها في العالم العربي والإسلامي.
يعترف كيدار المختص بسورية والمجموعات الإسلامية والإعلام العربي، أن مجموعات داعش تواجه تصفية وهزيمة ميدانية، لكن من سيمنع انتشار رجالها في كل مكان وتشكيل فروع جديدة لها؟ ويضيف: إن مثل هذه الأفكار ومن يتبناها من المجموعات ستظل قابلة ليس للتداول فقط بل للتبني من كل من يرغب.
يبدو أن ما يشير إليه كيدار، الذي يتقن العربية بطلاقة ويتابع من خلالها كل ما يتعلق بالمجموعات الإسلامية، هو أن أي دولة في المنطقة قادرة على «تبني» ودعم هذه المجموعات بعد هزيمتها الميدانية، وهي جاهزة ما دام الشعار الذي اختارته المخابرات الأميركية الإسرائيلية لها هو شن حرب طائفية مذهبية، وهذا يعني أن مسرح نشاطها وعملياتها وتجنيدها سيظل في الساحات العربية والإسلامية من نيجيريا إلى أندونيسيا إلى منطقة الشرق الأوسط.
كيدار كتب أبحاثاً ومقالات كثيرة للتحريض على استمرار هذه الحرب، وأشار إلى أن هذا النوع من المجموعات على غرار القاعدة في بداية نشاطها في أفغانستان، لا يستهدف بالقتل إلا خصوم الولايات المتحدة من دول عربية أو كبرى مناهضة للسياسة الأميركية، وهذا ما حصل في حرب الأفغان على الاتحاد السوفياتي حين كانت الدول العربية الغنية بالنفط تقدم التمويل وبعض المجندين أيضاً، بينما توجه المخابرات المركزية بشكل سري عمليات القاعدة وطالبان فيما بعد، وتبين بعد أن انطلقت داعش من قلب القاعدة أن أكبر مسارح عملياتها كان سورية والعراق بعد انسحاب القوات الأميركية من أراضيه بطلب عراقي حكومي وشعبي، وأيضا ليبيا واليمن بعد اختراق حدوده وتجنيد من أمكن من مواطني هذه الدول من القادمين من دول إسلامية بعيدة، وأصبح داعش يمتلك ما يشبه الجيش في ليبيا وفي العراق بعد احتلال الموصل والأنبار، وفي سورية بعد احتلال مناطق متاخمة لحدود تركيا التي فتحت حدودها لمجموعاته باتجاه سورية.
يعرف الغرب كله أن المساحات التي كانت فيها مجموعات القاعدة وداعش وأمثالهما، تقوم بعملياتها وباحتلال قرى ومدن ليست أوروبا ولا الولايات المتحدة، رغم بعض العمليات التي جرت هنا وهناك، بل هي دول عربية وإسلامية تعرض المواطنون فيها للقتل بالجملة، وهل سيطرت مجموعات داعش أو القاعدة على قرية في أوروبا أو اختطفت آلاف المواطنين الأوروبيين وذبحتهم؟!
لقد زعزعت المجموعات الإرهابية التي تشن حرباً طائفية مذهبية دينية، دولاً مثل باكستان وبنغلادش على خلفية مذهبية وقتلت وأصابت بجراح وعاهات عشرات الآلاف في هاتين الدولتين اللتين تعدان من الدول الإسلامية، أما الدول العربية التي أراد الغرب تسخير هذا الإرهاب ضدها لإعادة تقسيمها مذهبياً ودينياً، فهي أكثر من دفع الثمن الباهظ وغير المسبوق من الضحايا والدمار، ولذلك لا أحد يمكن أن يعتقد أن انتصار سورية وحلفائها على الإرهابيين الآن وانتصار العراق واليمن ومصر، يعني أن الممولين لهذه المجموعات سيتوقفون عن تمويلها وخصوصاً السعودية التي جاء الإرهابيون من مدارسها الوهابية التكفيرية في الدول الإسلامية، بل سيعيدون إنشاء هذه المدارس وشراء الذمم بالأموال التي تسمح لهم الولايات المتحدة والغرب بتوزيعها عليهم ولو كان الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة، يسعى إلى محاربة هذا الإرهاب، لما فتح بنوكه التي تضم أرصدة وأموال السعودية وغيرها، لهؤلاء الإرهابيين ومن يقف إلى جانبهم.
يقول مدير «مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية – سي إس آي إس» الأميركي البروفيسور أنتوني كوردسمان: إن واشنطن ما تزال تريد السيطرة على كل ما يمكن من مواقع النفط والغاز في الشرق الأوسط، ومعظمها موجود فيه من نيجيريا إلى شمال إفريقيا إلى المشرق وشبه الجزيرة العربية، لأنها تستورد حالياً بقيمة 2,4 تريليون دولار أي 14 بالمئة من قيمة مجمل الناتج القومي، وإنها دولة غير مستقلة بعد من ناحية استيراد النفط والغاز، لكن كوردسمان يحذر ذات الوقت واشنطن والغرب، من انتشار داعش في تركيا وأفغانستان وأندونيسيا بعد هزائمه في سورية والعراق.