«باب الحارة» ليس مشروعي لكنه لم يشوه تاريخ دمشق … سليمان عبد العزيز لـ«الوطن»: الدراما ليس لها تأثير في المجتمع وليست بواعظ ولا مرشد

| وائل العدس

قبل خمسة أعوام، وضع الكاتب سليمان عبد العزيز قدمه في طريق الأضواء من خلال المسلسل الشامي «الأميمي» الذي أدى دور البطولة فيه النجم عباس النوري.
ومنذ ذلك الحين، تضاعف إنتاجه حتى أنجز ستة أعمال خلال أربعة أعوام، فكتب الأجزاء الأربعة الأخيرة من «باب الحارة»، إضافة إلى «دامسكو» و«وهم» الذي يصور حالياً في دمشق تحت إدارة المخرج محمد وقاف وإنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي.
عبد العزيز حل ضيفاً على «الوطن» من خلال الحوار التالي:

يتعرض باب الحارة للكثير من الانتقادات ومع ذلك صمدتَ على مدار 4 أجزاء، فما السر الذي يجعلك مستمراً بكتابته؟
ليست انتقادات بقدر ما هي عدم فهم وحب للمشروع، دخلتُ في المشروع بجزئه السادس واستمررت حتى التاسع منه، وفي كل عام أتعرض للانتقادات نفسها التي تندرج تحت عنوان واحد هو «يجب إيقاف العمل».
وبكل الأحوال، استمراريتي تكليف من الشركة فقط لا غير، ورغم أن مسلسل «باب الحارة» ليس مشروعي وإنما مشروع بسام الملا، إلا أنني عملت فيه بإخلاص كبير، وحاولت في كل جزء أن أقدم شيئاً جديداً، وهذا لا يمنعني من استشارة الجميع بشخصياتهم لكون الشخصية عبارة عن تركيبة خمسة أجزاء أولى، وأنا شخصياً أحب العمل وأتمنى أن يستمر أكثر.
لكن هناك أناس انتقدوا العمل رغم أنهم لم يشاهدوه، ولا مشكلة من النقد وإنما بالتجريح لأن الهدف ليس نقدياً.

أتعتقد بأن «باب الحارة» عمل مستهدف؟
لا ليس مستهدفاً بقدر ما يثير استفزاز الآخرين، وخاصة موضوع تعدد أجزائه والأرباح المالية التي يجنيها.

في حال استمر، هل ستستمر بكتابة الأجزاء الجديدة؟
لا أعتقد، فالنص يكتب حالياً كما سمعت وأتمنى لهم التوفيق، ويكفيني كتابة أربعة أجزاء.

قلت إن العمل ليس مشروعك، هل تعتبره «بزنس» فقط؟
جميعنا نعمل من منطق «البزنس»، ابتداءً من المنتج وانتهاءً بأصغر عامل.
أتبنى العمل وأحبه وأدافع عنه لكنه ليس مشروعي، وعندما كتبت الجزء التاسع تعبت ومرضت، والحمد لله العمل يحقق كل موسم نجاحاً كبيراً على المستوى الجماهيري.

هل جماهيرية العمل تعني نجاحه؟
كمادة فنية فكرية لا طبعاً.

وكيف تقيمه كمادة فنية فكرية؟
«لايت خفيف» لا يقبل المقولات الفكرية، والجزء الثامن كان عميقاً جداً تحدثنا فيه عن التشدد الديني من خلال شخصية «الشيخ فكري» التي تمسكت بالدين واستثمرته لمصالحها الشخصية.

قيل إن العمل يشوه تاريخ دمشق؟
لم يشوه تاريخ دمشق مطلقاً، لأنه لا يندرج أساساً ضمن النمط التاريخي، وإنما عمل افتراضي شامي، يترجم معاناة أشخاص بطريقة درامية، لأنك لا تستطيع أن تستعين بمعلومة جافة وتضعها كما هي، فالمشاهد لا يتمكن من تقبلها وممكن أن يراها عبر نشرات الأخبار.
ولم نرتكب أخطاء تاريخية وإنما وقعنا في عدم الدقة في بعض أحداث الجزء السادس، فكان العمل حينها بحاجة إلى تدقيق أكثر.
يقال إن بسام الملا يتدخل بتفاصيل النص وله الرأي الأعلى؟
لا أبداً، فهو يقوم بقراءة الملخص فقط، خاصة أنه يعتبر مرجعية تاريخية بالأعمال الشامية ويمتلك خبرة كبيرة تفوق خبرتنا، وأنا شخصياً استفدت من خبرته بتعلم آلية كتابة المسلسل الشامي.

وماذا عن تدخل النجوم بالعمل؟
بالطبع، البعض يتدخل بتفاصيل شخصيته وخطه وليس بمجرى أحداث العمل، وهذا الأمر بات معروفاً.
هل ممكن أن يسبب تدخلهم ضرراً للنص؟
التدخلات لا تغيّر من بنية النص، لأن كل ممثل يتدخل بخطه على حدة، وبالطبع هذا الموضوع غير صحي أبداً، لكني اضطررت إلى اتباع أسلوب المسايرة وكنت مسالماً جداً.

أترى أن العمل رفع من أسهمك؟
نعم بالطبع، وتحديداً خارج سورية، لكن داخلها لا أبداً.

ما المراجع التي اعتمدتها للكتابة؟
أنا مطلع على البيئة الشامية، وكانت بداياتي بالأعمال الشامية عبر مسلسل «الأميمي»، وكان الأستاذ عباس النوري يقدم لي بعض التفاصيل التي تضيف لهذه البيئة.
بالعموم أقرأ باستمرار عن الشام، وأبني الحكاية بحيث يمكن إسقاطها على أي بيئة، وبعدها يخضع النص للمعالجة الدرامية.

سبق أن قيل إن العمل ساهم باندلاع الأزمة وشجع على حمل السلاح لكون جميع المشاكل التي تنشب فيه حلت بالسلاح وليس بالعقل؟
هذا الكلام قيل مع عرض الجزء السادس، وخلال تلك الفترة كتبت على صفحتي الشخصية عبر الفيسبوك أن أزمة بهذا الثقل تعصف بالبلد، وأيادي خارجية تعمل كغرف عمليات وتهدم البنى التحتية وتسعى جاهدة لإلغاء هوية البلد، لا يمكن ربطها بمسلسل تلفزيوني، فهل بالفعل عقلنا فارغ وتافه لهذه الدرجة؟ فهذا كلام مقاه وغير منطقي.
وبالنسبة لقصة الأنفاق فقد تم التطرق إليها بالجزء الخامس والإسقاط كان حينها على غزة وليس على سورية.

هل للدراما تأثير في المجتمع؟
ليس لها أي تأثير في المجتمع، فهي ليست بواعظ ولا مرشد، وغاية معظم الأعمال التسلية والترفيه، وبعضها الآخر يحمل مقولات ورسائل معينة، و«باب الحارة» ليس له تأثير في المجتمع ولاقى قبول الناس لأن تفاصيله تشبه حياتنا اليومية، وصنع بحرفية عالية من ناحية الإخراج، وكل تفاصيله كانت ناجحة.

بشكل عام، هل تؤيد تعدد الأجزاء؟
لِمَ لا، فالفن مهنة وبحاجة لرأس مال، ومادام الجزء الأول من العمل حقق نجاحاً وإيرادات عالية، فلم لا ننتج منه جزءاً آخر؟، وبرأيي من الأفضل كتابة العمل على أساس أجزاء من أن تكتب لاحقاً.

ما سبب نجاح الأعمال الشامية تسويقياً؟
هذه الأعمال الشامية تطلبها بعض المحطات لكونها شعبية وعفوية ومعقمة، بمعنى لا تحتوي مشاهد راقصة ومشروبات كحولية مثلاً.

بالانتقال إلى «الأميمي»، قيل إنه سيعود بجزء ثان؟
صحيح، وكتبت منه 15 حلقة، لكنه لم ينفذ لأسباب إنتاجية.
وبكل الأحوال، لن أقدمه مجدداً ولا أحب تكرار هذه التجربة، لأن العمل أصبح قديماً ومضى وقت على عرضه، لذا وزعت خطوط جزئه الثاني على أعمال أخرى.
وأعتقد أن الجزء الأول حقق النجاح، وأنا أحببته كثيراً وبذلت جهداً في كتابته وأرى أنني عُرفت من خلاله.

لكنه لم يحصد نجاح مسلسل «زمن البرغوت» الذي عرض في الموسم نفسه؟
الأمر متوقف على آلية الشركة المنتجة للعمل في تسويقه بغض النظر أي نص منهما الأقوى أو أي منهما الأكثر حرفية إخراجياً.
أنا راضٍ عن العمل باستثناء الخاتمة التي كانت موضوعة من دون دراسة وتفكير بالسياق العام للعمل.

«دامسكو» لم يأخذ حقه ولم يحقق نجاحاً، لماذا؟
«دامسكو» عمل جميل جداً، لكنه لم يحقق مشاهدة عالية لأنه ظُلم تسويقياً وتم تأخير عرضه، وأنا أشبّه العمل دائماً برغيف الخبز الساخن عندما يخرج من الفرن يكون شهياً جداً، لكنه عندما يبرد يفقد الكثير من رونقه ولذته.

كتبت مؤخراً مسلسل «وهم» الذي يجري تصويره حالياً بقيادة المخرج محمد وقاف، الاسم مباشر جداً وتقليدي ومطروح سابقاً.. ما سبب اختيارك له؟
«وهم» مفردة لصراعات شخوص تتوهم أنها تسير في الطريق الصحيح، «وهم» أنت من يخلقه ويعيش مفرداته وأحلامه، وفي الختام يظهر زيفه.
استقيت الفكرة من الواقع وأضفت اليها عناصر درامية ضمن سياق حدوتة، كي تكتمل الحبكة، لكنني لم أقم بعملية توثيق.
الأعمال السابقة لم تسلط الضوء على مشكلة الهجرة بشكل كامل، وإنما بشكل جزئي أو سطحي، أما في «وهم» فأسلط الضوء على الهجرة بدءاً من أسبابها إلى نتائجها بكل التفاصيل.
وأنا بطبعي أذهب إلى عناوين سهلة الفهم، ولا أحب العناوين النخبوية، وأنا سعيد جداً بشراكتي مع الأستاذ محمد وقاف فهو شريك حقيقي وصديق.
ولِمَ يحمل العمل صبغة بوليسية؟
كي يحمل طابعاً تشويقياً بشكل أكبر.

هناك تخوف من أعمال الأزمة بصعوبة تسويقها؟
الناس تعيش زمن الأزمة، وفي حال تم بيع العمل أو عدم بيعه فالأمر يتوقف على قوة شركة الإنتاج بتسويقه.

هل تعتبر هذا العمل مجازفة؟
لم أجازف، فالعمل سوري وينتج من قطاع حكومي، وسيعرض أولاً وأخيراً على محطات محلية سورية، وفي حال فكرنا بمنطق المجازفة سنتوقف عن الإنتاج نهائياً.

قلت سابقاً إن الدراما تهدف إلى الترفيه، فهل «وهم» يهدف إلى ذلك؟
العمل الدرامي لا يغير من الواقع لكنه قد يترك شيئاً لدى المتلقي، لذا كتبت العمل لتستمتع الناس بحضوره فقط من دون ترك أي تأثير، لكني أتمنى أن أزرع في نفوس الأشخاص الحاملين لفكرة الهجرة ألا يسافروا ويلغوا فكرة السفر.

هل كان لك رأي باختيار الممثلين؟
كان هناك تشاركية بالاختيار مع المخرج محمد وقاف، فهو رجل راقٍ ومحترم جداً ويستمع للآخر ويؤخذ رأيه بالحسبان.

بالعموم عندما تكتب عملاً هل يتراءى لك دور لممثل معين؟
نعم، كل كاتب يرى دوراً مناسباً لممثل معين ويطرحه على المخرج، لكن من الممكن أن تعترض شركة الإنتاج على الاسم المطروح لغلاء أجره مثلاً.

كثرة الخطوط والشخصيات في «وهم» ألا تشتت ذهن المشاهد؟
لا، أبداً لأنها واضحة ومترابطة، والحبكة تجمعهم بموضوع ما ولم أختر عناوين كبيرة، عناويني هي البوليسي والهجرة والحارة لكن شخوصهم كثيرة.

أطلق عليك اسم كاتب البيئة الشامية؟ فهل كتبت «وهم» لإثبات العكس؟
الحمد لله أنني استطعت تسويق المسلسل إلى المؤسسة مع الصديق محمد وقاف كي أخرج من عباءة البيئة الشامية التي رُميت عليَّ، وللتوضيح فإن جميع الأعمال الشامية التي كتبتها كانت تكليفاً.

هل تعتبر نفسك كاتباً نجماً؟
لا أصنف نفسي وليصنفني الآخرون.

كيف يصنفك الآخرون؟
بأني كاتب جيد، وأتمنى أن أكون أحد الكتّاب النجوم.

أخيراً، برأيك ما أهم مشكلات الدراما السورية؟ وما أهم الحلول لمعالجتها؟
أهم مشكلات الدراما السورية يكمن بضعف التسويق والتخطيط، وحلولها تكمن بالتسويق الصحيح الذي يتطلب قنوات سورية خاصة كي لا تتحكم بها السوق الخارجية.