ترامب وصهره كوشنير وانقلاب السعودية

| تحسين الحلبي

لا أحد يخفى عليه وجود مسلّمات شبه ثابتة حتى هذه اللحظة في منطقة الشرق الأوسط، ومن بينها أن دولاً مثل السعودية وقطر ودول خليجية أخرى، تقع في دائرة الهيمنة والسيطرة الأميركية منذ عشرات السنين، وأن مناطق هذه الدول، إضافة إلى العراق وإيران، تقع ضمن أغنى مصادر النفط والغاز، فهل يمكن لدولة مثل قطر أن تستقل بقرارها، أو لدولة كالسعودية أن تفعل نفس الأمر دون أن تكون السيطرة الأميركية ثابتة وموجهة لأي قرار منهما؟!
إن تاريخ العلاقات بين واشنطن وهذه الدول وتطورات عائلاتها المالكة، أكدت وما زالت تؤكد، أن أي شيخ أو أمير أو ملك يحكم، لن يخرج عن دائرة خدمة المصلحة الأميركية، وهذا ما حدث في قطر حين قام حمد بن خليفة آل ثاني بانقلاب على والده وحل محله، ثم وضع حمد ابنه تميم مكانه، وسواء أطاحت السعودية بتميم أم لم تنجح، فلن يحمل محله إلا أمير يقدم نفس الخدمات للولايات المتحدة، ولذلك يصبح النزاع بين قطر والسعودية ضمن قواعد لعبة أميركية تدير النزاع، وتتحكم بنتائجه النهائية لمصلحتها.
هذا ما حدث أيضا حين قلب سلمان وابنه محمد في السعودية، كل أركان الحكم التقليدي وسيطرا على زمام الحكم وحدهما بعد أن أطاحا بعدد كبير من الأمراء المتنفذين، وسلبا أموالهم باسم محاربة الفساد باتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن السؤال هو: ما الذي تجنيه واشنطن من هذه التطورات السياسية في ساحات حلفائها؟
لقد حصل ترامب على 500 مليار دولار حين زار لأول مرة الرياض، وأعطى الضوء الأخضر لسلمان بالإطاحة بولي العهد محمد بن نايف وتعيين ابنه محمد، وهذا ما حدث بعد رحيل ترامب، وثمة من يعتقد أن الأموال التي صودرت من الأمراء المعتقلين الآن وتبلغ 800 مليار دولار، سيقوم محمد بن سلمان بتقديمها كتعويضات مالية لضحايا تفجيرات 11 أيلول 2001 في نيويورك، أو كسلفة على الحساب، وبهذا الإجراء يكون قد حال دون أن تدفع الخزينة الرسمية هذا المبلغ فيرضى الجمهور السعودي رغم أن كل هذه الأموال المصادرة خرجت من «بيت مال» الجمهور السعودي نفسه.
من المعتقد أن ترامب على اطلاع بهذه الخطة، فهو من أثنى على ما يقوم به محمد بن سلمان باعتقال هؤلاء الأمراء والموظفين السعوديين الكبار ومصادرة أموالهم علناً.
وبهذه الطريقة يكون ترامب نفسه قد خدم مصلحة ضحايا التفجيرات وطبق قانون «جاستا» الأميركي الذي يقضي بمحاكمة المسؤولين السعوديين على دورهم في تفجيرات أيلول 2001 وفرض التعويضات المالية على السعودية.
السؤال الآخر هو: ما الذي جعل تطورات الوضع الداخلي السعودي تصل إلى مطالبة السعودية لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بالاستقالة وإعلانها من الرياض؟
قبل أيام تساءل الكاتب السياسي الأميركي المختص بدراسات الشؤون الاستخباراتية والتحقيقات بوب درايفوس في تحليل نشره في مجلة «رولينغ ستونز» الأميركية الإلكترونية: «هل يريد ترامب حرباً جديدة في الشرق الأوسط ضد إيران»؟ ورأى بأن «ترامب هاجم في خطابه أمام الجمعية العامة في أيلول الماضي اتفاقية «الدول الخمس +1» مع إيران، كما أعلن عدم صلاحيتها بالنسبة لأميركا وهدد بإلغائها»، وأضاف: «السعودية بدأت الآن بتصعيد التوتر، في المنطقة ضد إيران، ثم طلبت في 4 تشرين الثاني الجاري من سعد الحريري شن حملة هجوم إعلامي سياسي على حزب الله وإيران معاً وإعلان استقالته من رئاسة الحكومة، ولم تعلق إدارة ترامب على هذه الاستقالة إلا في الأمس»، وكشف درايفوس أنه «من الصواب الاشتباه بأن إدارة ترامب لها يد مباشرة في كل القرارات التي اتخذها سلمان وابنه فقد قام زوج ابنة ترامب جاريد كوشنير بزيارة، لم يعلن عنها، إلى السعودية قبل هذه التطورات بصفته مسؤولاً عن الشرق الأوسط، واجتمع ساعات طويلة مع محمد بن سلمان وقيل حتى الفجر لإعداد هذه الإجراءات».
كشف درايفوس أيضا أن «العائلة المالكة قررت في تاريخ معين في عام 2018 أنها ستعرض على المستثمرين مناقصة لاستثمار شركة «أرامكو» السعودية للنفط التي تبلغ قيمتها تريليوني دولار، وأن الرئيس ترامب اعترف أنه قال للملك «أن يمنح هذا الاستثمار لشركة «نيويورك للأسهم» أو شركة «ناسداك» الأميركية الأخرى للأسهم وأنه ذكر ذلك حين كان يزور في اليابان قاعدة جوية في الرابع من تشرين الثاني الجاري، وهو نفس اليوم الذين نفذ فيه محمد بن سلمان الانقلاب على الأمراء».
ولذلك يرى محللون سياسيون في واشنطن أن احتمالات إشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط قليلة إن لم تكن في أدنى الدرجات.