«النصرة» مكنسة تركيا الشمالية

| سامر ضاحي

استجابت واشنطن لطموحات الميليشيات المسلحة بالتسلح في وقت سابق من الأزمة السورية، وخصصت الاستخبارات الأميركية برنامجاً لدعم ما سمته «المعارضة المعتدلة في سورية»، إلا أن واشنطن أدركت لاحقاً عدم جدوى هذا الدعم فأعلنت إيقافه، ولو على وسائل الإعلام، واتجهت لدعم «قوات سورية الديمقراطية- قسد» ذات الأغلبية الكردية، ما أثار شجون أنقرة وبدأت تستعد لرد الصاع صاعين لواشنطن التي تتهمها بدعم جهات محسوبة على الإرهاب تركياً، وبالضلوع في الانقلاب الفاشل على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فكان لا بد من تغييرات في الإستراتيجية التركية تواجه سياسة واشنطن في المنطقة دون أن يرتقي ذلك إلى المواجهة المباشرة.
استغلت أنقرة «اتفاق إدلب لخفض التصعيد» في شمالي غربي سورية متذرعة بدعم إيراني روسي، وتلاعبت على بنود الاتفاق لتتدخل برياً في المحافظة الواقعة تحت سيطرة تنظيم جبهة النصرة الإرهابية، لكن هذا التدخل كان لتحقيق مآرب تركية أبرزها مواجهة أميركا، فكان لابد من مكنسة تعتمدها تركيا لاجتثاث النفوذ الأميركي من «منطقة خفض التصعيد» شمالاً ومعاقبة كل رموزه، ولم تجد أشد بأساً من «النصرة» يعتمد عليه كحليف.
ورغم أن القاصي والداني يعرف أن اتفاق إدلب يهدف إلى اجتثاث «النصرة»، إلا أن أنقرة وجهت التنظيم لاتخاذ خطوات يعيد إنتاج نفسه من خلالها ويظهر كميليشيات معارضة مسلحة بحيث تسقط عنه صفة «الإرهاب» قبل أن توجه هذا الحليف إلى محاربة كل القوى المحسوبة على واشنطن، فبعد مشهد الدخول التركي على صهوات مواكب «النصرة» كانت ميليشيات «درع الفرات» تعلن الحرب على ميليشيات «السلاطين» مثل «السطان مراد» وغيرها محاولة تأديب أولئك بعد معلومات استخباراتية تركية أفادت بقيام هؤلاء خلال مراحل سابقة، بتهريب السلاح إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية، والمحسوبة في تركيا كفرع لـ«حزب العمال الكردستاني» المصنف إرهابياً بمقاييس أنقرة، فما كان من «مراد» وغيره مثل «فيلق الشام»، إلا تسليم ما يسمى «الحكومة المؤقتة» المدعومة تركياً، مقاليد الأمور في معبر باب الهوى الإدلبي.
مؤخراً ومع وجود جنودها في ريف حلب الغربي، وجدت تركيا الفرصة سانحة للانتقام أكثر من واشنطن، إلا أن الأخيرة انتبهت للأمر فوجهت ميليشيا «حركة نور الدين زنكي» إلى قتال «النصرة» ولم تنفع كل محاولات الصلح رغم تدخل شرعي الأخيرة السعودي عبد اللـه المحيسني في جهود الصلح.
ولا يخرج قتال «الزنكي» عن دائرة السعي التركي إلى تعويم «النصرة»، فالميليشيا سبق أن كانت في الحضن التركي الذي اعتمد عليها سابقاً في تكتيكات الشمال، قبل أن تحصل على دعم أميركي كبير وصولاً إلى إمدادها بصواريخ «تاو»، فأدركت تركيا أن اجتثاثها بات ضرورياً مستفيدة من السمعة السيئة لميلشيا «الزنكي» خاصة بعد المشهد المريع الذي أظهر عناصرها يذبحون طفلاً في مخيم حندرات، لتستفيد تركيا من المعطيات السابقة وتقدم «النصرة» كحمل وديع مسالم يتيح لها تنفيذ كل مخططاتها.
واشنطن لا تقف مكتوفة الأيدي، بل وجهت ميليشيات أخرى من صنف «العملاء المزدوجين» لها ولتركيا، لقتال «النصرة» إلى جانب «الزنكي» وهو ما شهدناه بالأنباء التي تحدثت عن إمكانية انضمام «جيش الأحرار» إلى «زنكي» في عملياته ضد النصرة.
وبانتظار تبلور الموقف الميداني أكثر، فمن المرجح أن عصا «النصرة» ستطول «الزنكي» في نهاية الأمر، ما لم ينصاع قادة الميليشيا إلى الطلبات التركية ويتحولون إلى قتال القوات الكردية.