أردوغان لن يخرج صفر اليدين من سوتشي

| أنس وهيب الكردي 

إلى سوتشي الروسية توجه الرئيس التركي رجب طيب أرودغان تلبية لدعوة نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حيث يتوسط طاولتهما الاتفاق الذي وقعه فلاديمير بوتين مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فيتنام، على حين تقف أنقرة على مفترق طرق حاد في علاقاتها الدولية.
تؤكد الدعوة الروسية العاجلة لأردوغان، أن سيد الكرملين سيعمل على تهدئة خواطر الأتراك حيال اتفاق فيتنام، وطمأنة الرئيس التركي إلى أن الاتفاق لن يكون على حساب أنقرة ومصالحها السورية، كما سيعمل على تثبيت التفاهمات الروسية التركية بشأن عملية أستانا، وسيشرح بوتين لأردوغان المكاسب التي تحققت من اتفاقه مع ترامب، وأبرزها على الإطلاق، إقرار الرئيس الأميركي بـ«وحدة الأراضي السورية»، التي تصر عليها أنقرة خوفاً من خطط غربية لتقسيم سورية وإنشاء كيان جغرافي يعزل في شمالي البلاد تركيا عن العالم العربي، ويكون بمنزلة مخلب للعواصم الغربية قي ابتزاز الأتراك والسيطرة على سياساتهم الخارجية.
ويبدو أيضا أن الزعيم الروسي سيبلغ نظيره التركي أنه أقنع الأميركيين بالتخلي عن خطتهم للتدخل في إدلب من أجل ضرب جبهة النصرة المنحلة التي تقود حاليا «هيئة تحرير الشام»، وسيستشهد بوتين بنص من البيان الصادر في ختام لقائه بترامب على هامش قمة إيبك، حين أشار الرئيسان إلى «مناطق خفض التصعيد» التي أسستها عملية أستانا.
في مقابل هذه المكاسب، سيطلب بوتين من الرئيس التركي عدم المشاغبة على التفاهمات الأميركية الروسية، عبر إعادة تنشيط العلاقة الإيرانية التركية من أجل مواجهة اتفاق «ترامب بوتين 2»، الذي وبالضرورة يحسم من إيران وتركيا ويحد من ساحة مناورة الدولتين في سورية والشرق الأوسط.
تدرك أنقرة أن الاتفاق الذي توصل إليه زعيما روسيا والولايات المتحدة، يحمل في طياته ضمانة روسية أميركية متبادلة لـ«القوات الشريكة» مع الجيشين الروسي والأميركي في قتال تنظيم داعش. بمعنى أبسط، قدم الروس للأميركيين ضمانة بعدم الاعتداء على تحالف «قوات سورية الديمقراطية – قسد» الذي تشكل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية عموده الفقري، وكما تشمل الضمانة الروسية، المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات، وتنصرف كذلك إلى المناطق الواقعة غربي نهر الفرات، وتحديداً مدينة منبج في ريف حلب الشمالي الشرقي، وعفرين وتل رفعت بريف حلب الشمالي الغربي، التي يصر الأتراك على وجوب خروج عناصر «وحدات حماية الشعب» منها، لأن هذه الميليشيا، بحسب ما يقول الأتراك، ليست إلا بمنزلة امتداد سوري لـ«حزب العمال الكردستاني – بي. كي. كي» الذي تقاتله أنقرة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
إذاً، سيواجه الرئيس التركي طلباً روسياً صريحاً بالكف عن تهديد عناصر ميليشيا «الحماية الشعبية» في منطقتي عفرين أو تل رفعت، وتسريع العمل المشترك من أجل القضاء على جبهة النصرة المنحلة في إدلب، مع وجوب التزام الجيش التركي بمضمون الاتفاق الروسي الإيراني التركي، خلال الجولة السادسة من عملية أستانا، حول محددات «منطقة خفض التصعيد» في المحافظة الواقعة إلى الشمال الغربي من البلاد، وعلى رأسها نشر قوات مراقبة من الشرطة العسكرية من الدول الثلاث في إدلب، وليس قوات عسكرية مجهزة بالأسلحة الثقيلة كما فعلت تركيا.
يعلم أردوغان أن موقفه التفاوضي تراجع بعد اتفاق فيتنام، وأن ما فعله موفده إلى جولة أستانا السابعة الفائتة ما عاد وارداً، ولقد عرقل المفاوضون الأتراك إقامة «منطقة خفض التصعيد» في إدلب، بهدف المد في عمر جبهة النصرة المنحلة، من أجل التفاوض مع الروس والإيرانيين على ورقته، في مقابل موافقتهم على الضغط على مسلحي ميليشيا «حماية الشعب» للخروج من منطقة تل رفعت على الأقل.
وإذا كان من الصحيح أن تعهد بوتين لترامب بضمان أمن «قسد»، ومسعاه للضغط على تركيا من أجل الإسراع في تأسيس «منطقة خفض التصعيد» الخاصة في إدلب، ستزعج أردوغان بشدة، إلا أن الرئيس الروسي يستعد لبذل كل دبلوماسيته كي يحافظ على «صداقة» نظيره التركي، لأن العلاقات الروسية التركية مقبلة على نقلة نوعية، ولأن موقف أنقرة في المنطقة عموماً تحسن مع تصاعد التوتر السعودي الإيراني.
بالفعل وعشية لقاء بوتين أردوغان، أعلنت أنقرة أنها اشترت صورايخ «إس 400» من روسيا، في تطور من شأنه إذا ما اكتمل، هز حلف شمال الأطلسي، والإعلان التركي جاء متوازياً مع انتهاء المرحلة الأولى من بناء السيل التركي، أي أنبوب نقل الطاقة، الذي تشترك روسيا وتركيا في إنشائه عبر البحر الأسود، ويشكل بديلاً للروس من المسارات الأوروبية الأخرى، سواء عبر أوكرانيا أم اليونان أو البلطيق.
هكذا، وبينما يواصل الرئيس الروسي سياسته الرامية إلى إحداث شرخ داخل «الناتو» عبر جذب تركيا بعيداً عن الحلف، من المؤكد أنه لن يترك أردوغان يخرج خاوي الوفاض من سوتشي.