السعودية لن تتراجع بسهولة في لبنان

| أنس وهيب كردي 

سارع الأوروبيون، قبل غيرهم، للتحرك من أجل احتواء أزمة في لبنان فجرتها استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، ولم يلبث أن تحرك الأميركيون والروس أيضاً، في تظاهرة دولية تؤكد استمرار المظلة الدولية لاستقرار لبنان واستمرار الهدوء فيه.
الإجماع الدولي يعني حرص القوى الدولية على استمرار المعادلة اللبنانية، التي أرساها اتفاق العام الماضي عندما وافق الحريري على وصول الجنرال ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، مقابل موافقة حزب اللـه على تعيين زعيم تيار المستقبل رئيساً للحكومة، ما أنهى شغوراً رئاسياً امتد لنحو عامين.
من الطبيعي أن يكون المسؤولون الأوروبيون هم أول من بادر إلى التحرك قبل الآخرين، فلدولهم فرق عسكرية على الأراضي اللبنانية تعمل هناك تحت لواء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل»، وأي اهتزاز للوضع سيكون له انعكاسات على أمن جنودهم وسلامتهم، ويدرك الأوروبيون بأن استقالة الحريري أدت إلى تصعيد التوتر الإقليمي وسحبت الغطاء السعودي عن الحكم في لبنان، وسط تصاعد التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ومن ثم، في هذه الحالة، يغدو القلق الأوروبي مفهوماً على أمن القوات الأوروبية المنتشرة في الجنوب اللبناني تنفيذا للقرار 1701، الذي أنهى حرب تموز عام 2006.
رأى الأميركيون لأول وهلة في استقالة الحريري، ورقة ضغط قوية على المفاوض الروسي الذي كان يخوض غمار مفاوضات شاقة، لتنظيم عملية انتقال سورية مما بعد داعش إلى التسوية السياسية، بما يشمل ذلك من استكمال القضاء على التنظيم المتشدد في ريف دير الزور الشرقي، والوجود الأميركي في الشرق السوري، وتثبيت «مناطق خفض التصعيد» وإقرار مبادئ عملية السلام السورية، مفاوضات تمخضت في نهاية المطاف عن الاتفاقات التي وقعها الزعيمان الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «آيبك»، في مدينة دانانغ وسط فيتنام.
بعد أن استنفدت الورقة أغراضها على طاولة المفاوضات، صدر موقف عن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون يؤكد حماية استقرار لبنان، ويصب ماء بارداً على التصعيد السعودي.
الروس، على ما يبدو فضلوا التريث في اتخاذ أي موقف، وأداروا الأزمة عبر سفيرهم المحنك في بيروت ألكسندر زاسبيكين، وبذلك ركزوا على مباحثاتهم الصعبة مع الأميركيين بشأن سورية.
لا شك أن الأميركيين والروس مهتمون باستقرار المعادلة اللبنانية، كل لأسبابه، فواشنطن تريد هذا الاستقرار في الوقت الراهن، منعاً لحرف الجهود الدولية والإقليمية عن العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، أما روسيا التي توفر الغطاء الجوي للقوات السورية وحلفائها في حزب اللـه في حملتهم ضد داعش في شرق سورية، فهي حريصة على تأمين الساحة الخلفية للحزب وضمان موطنه.
هكذا تقاطعت المصالح الدولية وراء الموقف الرسمي اللبناني الداعي، ليس فقط إلى عودة الحريري عن الاستقالة، بل عودته إلى لبنان من السعودية، ولذلك، يبدو إقدام الحريري على الاستقالة وكأنه قفزة في الهواء.
لقد عملت الدول الكبرى على إقناع السعودية بنزع فتيل التوتر في لبنان، من خلال برنامج سياسي يتضمن عودة الحريري إلى بيروت وتعليق استقالته على اعتبار أنها لم تسلم لرئيس الجمهورية، وإعادة إطلاق حوار وطني لبناني وظيفته مناقشة الإستراتيجية الدفاعية في لبنان، ومن ضمنها سلاح حزب اللـه، لكن يبدو أن الرياض وإذا ما كانت ستوافق على عودة الحريري إلى بيروت فقط من أجل الاستقالة، وبعدها الدخول في مفاوضات جديدة حول حزمة تتضمن الحكومة وسلاح حزب اللـه، وعلى الرغم من التأييد الدولي العريض لاستقرار لبنان، إلا أن السعودية شهدت فوائد زعزعة استقرار هذا البلد الصغير وحصّلت مكاسب مهمة منها.
من النافل قوله: إن تسمية سفير لبناني في سورية باتت خلفنا، وإن السعودية التي تذوقت لذة ابتزاز الدول الكبرى في لبنان، لن تتراجع بسهولة مستغلةً أجواء التوتر الإقليمي المشتعل، والتي خمدها فقط اتفاق «بوتين ترامب 2».