من دفتر الوطن – إبحار في عالم فوضوي!

| عصام داري 

تعبت من التجوال في بساتين الأبجدية، ومن السفر على سفينة الحروف، أنهكتني رحلة طويلة كنت خلالها أبحث عن حرف تاه في الزواريب الضيقة، أو كلمة هربت من عصر تكفير الكلام والشعر والموسيقا والحب، ونصب المشانق لكل أهل مملكة العشق والهوى.
لكن تعبي لن يمنعني من تقدم الصفوف الماضية نحو ساحات الحياة الفسيحة، لنفتح بوابات الأمل والتفاؤل، ولننشر شرعة الحب في عالم توحش حتى أرنبتي أذنيه، ولنعلن عصر الحرية، ونلقي بالحرب في غياهب جب عميق لا قرار له.
نعرف أننا لا نستطيع زرع التفاؤل في عقول جافة وقاحلة عديمة مطر الأمل، وليس بمقدور أحد أن يدل الغارقين في وحل التشاؤم على الوسائل التي يصبحون بها أمراء التفاؤل، ومعتنقي الرومانسية، فهذه الرومانسية موجودة في الجينات، وإذا لم تكن موجودة لدى فئة من البشر، فستكون على هامش الحب والمحبة والإنسانية الراقية.
أحاول أن أبحر في عالم الخيال والحلم والسحر فتصدمني وقائع غير متزنة، وأجدني مبحراً في عالم فوضوي يائس وبائس، أبحث عن برّ أمان وشاطئ حب ينتشلني من الأحزان، فلا أجد إلا الفوضى العارمة تضرب هذا العالم من كل حدب وصوب.
نشعر بأننا محاصرون، بل الأكيد أننا كذلك، تحيط بنا الهموم والمشكلات والأحزان من كل جانب، لكننا قادرون على إيجاد ثغرات في هذا الجدار الصلب كي ننفذ نحو فرح نحتاجه واستراحة نستحقها، وفسحة سماوية تنتظرنا.
إرادة الحياة والتحدي هي التي نمتلكها وهي التي ترسم شخصيتنا، ورغبتنا في السير على دروب الحب هي التي توصلنا إلى المستقبل الذي نبتغيه، ولن يكسر أحد إرادتنا ورغبتنا في الحياة والحب والنشاط والبناء والعطاء بكل صوره.
قد تكون يد الأقدار تلاعبت بخياراتنا وحرفت مسيرة حياتنا عن الدرب الذي كنا حلمنا به وخططنا له، لكن ذلك لا يعني النهاية، بل من هنا تكون الخطوة الأولى لبداية جديدة، وكي تنجح في الحياة عليك أن تحب إلى حد العشق ما تقوم به، أو عملك الذي وجدت نفسك على غير إرادة أو رغبة فيه، أو ما ترى أنه خيار جديد ليس خيارك.
طوال عمرنا نبحث عن فرص لتحسين حياتنا على الأرض، ونحن نعرف أن سعينا محكوم بالعمل والأمل والحظ والظروف وأشياء غير واردة في حساباتنا، وكم أضعنا من فرص، بإرادتنا، أو بطيش منا، أو ربما كان للقضاء والقدر الدور الأكبر في هذا الضياع، لكنها على كل الأحوال فرص ضائعة كان بعضها نقطة تحول جذرية في حياتنا، جاءت مرة وذهبت ثم لم تعد، ولن تعود أبداً.
هكذا هي الحياة، كلما أشرقت شمس يوم جديد، خرجنا من الموت المؤقت، أي النوم، إلى يوم حياة جديد.
مع كل شهيق وزفير نتأكد أننا نغرف من الزمن لحظات إضافية لعمرنا الذي لا نعرف كم سيطول أو يقصر، فالحياة مجموعة ثوان ودقائق وأيام، وهي قليلة مهما طالت، فدعونا نعِشْ تلك اللحظات المعدودات، ونبحر في هذا العالم الفوضوي، فالرتابة قاتلة أكثر.