بيان فيتنام

| عبد المنعم علي عيسى

أثمر لقاء الرئيسين الأميركي والروسي في فيتنام في الحادي عشر من الشهر الجاري عن صدور بيان وصف بالمهم حتى من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الرغم من أنه لم يأت بجديد يخص التوافقات السابقة، إلا أن ما يمكن التوقف عنده هو ما أعلنه وزير الإعلام الأردني محمد المومني والذي قال: إن الأطراف الثلاثة، أي روسيا وأميركا والأردن، قد وقعت على مذكرة مبادئ بشأن إنشاء «منطقة خفض التصعيد المؤقتة» في الجنوب السوري وهو أمر ليس بجديد فقد جرى التداول فيه منذ السابع من تموز الماضي.
ربما كانت النقطة الأهم في البيان هي تأكيده على مرجعية جنيف لحل الأزمة السورية، وعلى الرغم من أن موسكو شريكة في التوقيع على ذلك التأكيد، إلا أنها ترى أن ما يجري في هذا المسار لا يصب في مصلحتها، إذ ليس سراً أن موسكو سعت، وربما بصمت أميركي على الأقل، إلى الشد نحو مطارحات أستانا ثم سوتشي فيما بعد، في محاولة للتخلص من أثقال وأدوار إقليمية تبرز في جنيف لكنها تغيب في أستانا، ومن هنا فإن الراجح ألا يشكل بيان فيتنام مفرقاً مهماً في مسار الأزمة السورية ما دامت موسكو لم تغير من إستراتيجيتها المضمرة.
يبرز ما بعد فيتتام سؤال مهم هو: ما هي نقاط التلاقي والافتراق في الرؤيتين الروسية والأميركية فيما يخص النظرة إلى مسار الحل السوري؟
من الواضح أن واشنطن، في هذه المرحلة وبعدما حققت الحرب السورية غاياتها، تسعى إلى وقف القتال الدائر في سورية وخصوصاً أن هذا الأخير بات يهدد بخروجه عن السيطرة، ناهيك عن المصاعب الجمة التي تعيشها الإدارة الأميركية حتى بدا وكأنها ذاهبة نحو حالة تمترس بين خندقين على خلفية الكثير من المواقف المتناقضة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، في حين تبدو المواقف الروسية أكثر بحثاً عن نفعية سياسية اقتصادية، وهي في هذا السياق لا تفكر بالتراجع بعد كل النجاحات التي حققتها، وما يعوق ذلك الدور ويبعده عن تحقيق غاياته المرجوة منه هو حال الاستعجال البادي على الأداء الروسي، وربما كان ذلك انطلاقاً من أنها ترى وجوب إقفال الملف السوري للتفرغ لملفات أخرى ساخنة، ومن الراجح أنها ترى أن بقاء الجرح السوري نازفاً يشكل أمراً معوقاً في عملية التعاطي مع تلك الملفات.
ما يمكن الاستدلال إليه من بيان جنيف أمران اثنان: الأول هو تراجع الأدوار الإقليمية في الأزمة السورية بدرجة كبيرة حتى ليكاد البعض منها وكأنه تلاشى، الثاني أن الغرب والأميركيين والسعودية، لا يزال لديهم رهان واضح على وجود تناقض كبير ما بين المصلحتين الروسية والإيرانية في سورية، وربما تزايد ذلك الرهان مؤخراً إبان التصعيد الحاصل ما بين طهران والرياض، وفيه تبدى بوضوح القرب الروسي من هذي الأخيرة على حساب الأولى، على الرغم من التحالف القائم بينهما، وربما كان ذلك فيه جزء كبير من الواقعية، إلا أن الصحيح أيضاً هو أن ذلك التناقض لا يملك مقومات الديمومة والاستمرار وسيكون من الخطأ الرهان عليه كخيار طويل أو قابل لأن يستمر، فهو يمثل في لحظة ما حالة واقعية لكنها أشبه بحالة استاتيكو لا تملك القدرة على الحركة ولسوف تفرض عليها المتغيرات المتسارعة الكثير من التبدل أو التأقلم.
ما يجب أن يدخل في كل الحسابات، هو أن إيران باتت دولة إقليمية تملك ناصية القوة، وهي ستكون معنية في المرحلة المقبلة بتغيير المناخات التي أدت إلى تقديم موسكو لوعود عديدة للغرب بقيامها بكبح جماح التمدد الإيراني أو أقله تحجيم الدور الذي تلعبه طهران في المنطقة وفي سورية بالدرجة الأولى.