لبنان واليمن: المقايضة المستحيلة

| بيروت – محمد عبيد

بعيداً عن المفاعيل الداخلية شبه المعدومة حتى الآن بالمعنيين الدستوري والسياسي لاستقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الملتبسة التي صار مؤكداً أن النظام السعودي أجبره عليها بعد احتجازه، بدأت تتكشف الخلفيات الكامنة وراء هذه الخطوة السعودية التي فاجأت الحريري نفسه إضافة إلى لبنان بأكمله والعالم، خصوصاً وأن الحريري، أبرز المحسوبين عليها، والتي تزامنت مع حملة انقلابية عنيفة قام بها ولي عهد النظام محمد بن سلمان على معظم أعمامه وأبناء عمومته وأباطرة كبار في الإعلام والاقتصاد كانت لهم بصمات بارزة في تكوين وبقاء حكم هذا النظام منذ نشوء مملكة آل سعود.
هذه الخلفيات التي تتولى الآن بعض الدوائر الدبلوماسية الغربية وبعض العربية العاملة في لبنان التسويق لها من منطلق أنها حريصة على عودة الاستقرار السياسي، ومنع حدوث أي تداعيات طائفية أو مذهبية أو أمنية وصولاً إلى إمكانية تجنب حرب إقليمية إسرائيلية بدعم سعودي على لبنان، إلا أن تحقيق ذلك وفقاً لما تروج له هذه الدوائر يستوجب قبول رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومعه القوى الوطنية والمقاومة المشاركة في الحكم، وفي مقدمها حزب اللـه، بإعادة النظر بما سُمي التسوية الداخلية التي أعادت تكوين السلطة منذ نحو العام وإجراء تعديلات هي عملياً تغييرات جذرية فيها وصولاً إلى التالي:
أولاً: إلزام حزب اللـه التعهد بعدم خرق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بعدما كان، ووفقاً للتفسير الأميركي الإسرائيلي لهذا القرار، قد قام بذلك من خلال زيارات نظمتها قطاعاته الإعلامية لبعض الصحفيين والإعلاميين اللبنانيين والعرب والأجانب داخل الأراضي اللبنانية المقابلة لحدود كيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث أطلعهم بعض كوادر المقاومة على مواقع وتحركات جيش العدو، وهو أمر تعتبره الدوائر المذكورة استفزازاً لهذا الجيش يمكن أن يدفعه إلى الرد العنيف الذي يشعل حرباً.
ثانياً: وقف جميع الاتصالات واللقاءات المباشرة مع ما يسمونه «النظام السوري» انطلاقاً من أن «التسوية الداخلية» المُعتَمدة، كما يفسرها ما تبقى من فريق 14 آذار، أقرت صيغة النأي بالنفس أو التحييد، وكان المقصود عند هذا الفريق النأي عن التواصل مع سورية والانحياز إلى المحور الأميركي السعودي ووضع لبنان على رصيف انتظار التسويات لحل الأزمة في سورية وإعادة صياغة العلاقات بين البلدين وفق هذه التسويات وليس بناءً على معاهدة التعاون والتنسيق والأخوة المُقرة ثنائياً والموثقة عربياً ودولياً، ومن ثم فإن اعتراض بعض الأطراف اللبنانية ومن خلفها السعودية والأميركية على اعتماد سفير جديد للبنان في دمشق كان في سياق الإشارات التمهيدية لخطة الدفع باتجاه فرط الوضع اللبناني المستقر.
ثالثاً: وهو الأهم الضغط على حزب اللـه لوقف حملاته السياسية والإعلامية التعبوية الداعمة للشعب اليمني والتي يعتقد النظام السعودي أن أثرها كان بالغاً جداً في التأثير على الوجدان والمزاج السياسي القومي العربي والإسلامي، ربما أكثر بكثير من مشاركة حزب اللـه العسكرية المدعومة إيرانياً التي يدعيها ويحاول أن يضخمها هذا النظام، لتسويغ ضعفه وهزائمه على اعتبار أنه لا يمكن أن يفسر لشعبه ولبعض دول العالم التي تُسَلِحُه أو تراقبه هذا الضعف وهذه الهزائم أمام شعب يتعرض للحصار والجوع والمرض والمجازر منذ أكثر من سنتين.
لاشك أن ولي عهد النظام السعودي محمد بن سلمان استطاع أن يغطي انقلابه الداخلي إعلامياً من خلال الإشغال المقصود لبعض وسائل الإعلام اللبنانية التي مازالت فاعلة بقوة جماهيرياً على المستوى العربي، بقضية استقالة الحريري وتداعياتها، لكنه لم ينجح حتى اليوم بتحقيق أي من أهدافه الكامنة المذكورة آنفاً، ويبدو أنه لن ينجح أبداً بعدما أخذ يتحول احتجاز الحريري إقليمياً وأوروبياً وروسياً، إلى نكسة سياسية ومعنوية للنظام السعودي تضاف إلى نكساته التي تفرض عليه يومياً التفكير بالانسحاب من أزمات المنطقة.
من المؤكد أن الحريري سيبقى رهينة معلقة لدى النظام السعودي حتى لو تم إطلاق سراحه، وهو أمر يقود إلى التساؤل عن الأدوار التي يمكن أن يكون قد لعبها هذا النظام للتغطية على مرتكب جريمة اغتيال رفيق الحريري التي أدت إلى انقلابات دراماتيكية ضد محور المقاومة، ما يعني أن خسارة النظام السعودي هذه الجولة ستدفعه إلى التشدد أكثر، ومن ثم السعي إلى تعليق الوضع اللبناني على ما هو عليه للوصول إلى مبتغاه في تحقيق المقايضة المستحيلة بين لبنان واليمن.