من دفتر الوطن – المهزلة تستمر

| حسن م. يوسف 

تكاد كلمة «التغيير» تحتل مكانة مقدسة بالنسبة لي، فأنا أومن أنه «ليس هنالك من شيء دائم سوى التغيير»، حسب قول هيراقليطس الحكيم الذي عُرف بالفيلسوف الباكي وتأثر بأفكاره كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو. كما أؤمن أن «الغباء الإنساني يكمن في الخوفِ من التغيير»، على حد قول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه. فالتغيير بالنسبة لي هو شرط تحقق كل المفاهيم النبيلة في الحياة بدءاً بالحرية والعدالة وانتهاء بالسلام.
رغم ما سبق تمر أوقات كثيرة أكون فيها ضد التغيير، لأنني لست مع أي تغيير كان، فالانحطاط إلى مستوى البهيمة هو ضرب من التغيير، لكنني أقف ضده لأنه تغيير نحو الأسوأ وأنا منحاز للتغيير شريطة أن يكون نحو الأفضل فقط!
أصارحكم أنني فكرت طويلاً بقصة التغيير، نحو الأسوأ التي تكاد تكون قدراً في معظم الحالات التي تمر بها بلدان منطقتنا! وقد توصلت لاستنتاج أحسب أنه جدير بالنقاش. أول ما لفت انتباهي هو أن دورنا في عمليات التغيير التي تجري في بلداننا لا يكاد يتجاوز دور الفحم أو الديزل في رحلة القطار، فعندما تلوح بوادر التغيير في أحد بلداننا العربية يقوم أعداؤنا بدراسة تلك البوادر ويحاولون توجيهها الوجهة المناسبة لهم من خلال استمالة المثقفين والعناصر الاجتماعية والاستثمار في القوى المفتاحية الفاعلة في التغيير، وقبل أن تحين اللحظة الحاسمة يكونون قد اشتروا ذمم كثيرين، فيتمكنون عندما يبدأ الحراك «العفوي» من توجيهه الوجهة التي يريدونها! لما فيه خدمة مصالحهم المستقبلية، وهكذا نقوم نحن بكل «بسالة» بتحقيق أهداف أعدائنا وكل منا يظن نفسه بطلاً على حين هو مجرد كومبارس!
أحسب أنه ما من بلد في العالم بطوله وعرضه يشكل التغيير فيه قضية ملحة أكثر من السعودية، فهي دولة تملكها عائلة يتصرف أفرادها بموارد المجتمع برمته كما لو أنه ملك شخصي لهم، وقد أحس المستثمرون في الحالة السعودية أن التغيير قادم لا محالة، لذا عملوا على أن يكون التغيير في خدمتهم، ولن ندرك حقيقة الحالة المضحكة المبكية التي آلت إليها الأمور إلا إذا علمنا أن قائد التغيير الجديد الذي سيحارب الهدر محمد بن سليمان، قد رأى أثناء استجمامه على الشواطئ الفرنسية يختاً أفخم من يخته قيمته نحو ثلاثمئة مليون دولار يملكه يوري شفلر أحد الذين اغتنوا في روسيا من صناعة الفودكا، فحلي يخت شفلر في عين ابن سلمان فما كان منه إلا أن عرض عليه خمسمئة مليون دولار شريطة أن يسلمه اليخت فوراً فتمت الصفقة!
لقد أدركت أميركا أن النظام السعودي بلغ مرحلة الاهتراء، وللحفاظ على دوره في المنطقة كان لابد من التغيير، ولكيلا يحصل التغيير كما يشتهي الشعب السعودي، سارعوا هم لاختيار وجه شاب من النظام المهترئ، وأنجزوا التغيير بالطريقة التي تخدم مصالحهم وتؤبد نفوذهم!
ينسب لكارل ماركس قوله: «التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة» ونحن عشنا المأساة وشهدنا المهزلة، فهل سيتمكن أعداؤنا من الاستثمار في بلادتنا وغفلتنا لدفعنا لإعادة مآسي ومهازل تاريخنا ثالثاً ورابعاً وخامساً وسادساً… الخ؟ وهل سنبتكر نحن خلال الإعادة أشكالاً جديدة لها، أم إننا سنعيد إنتاج مآسينا ومهازلنا القديمة نفسها إلى مالا نهاية؟