قمة ما بعد داعش.. وما قبل جنيف وسوتشي

| وضاح عبد ربه

قبل أكثر من عامين، عقد لقاء قمة بين الرئيسين بشار الأسد وفلاديمير بوتين في موسكو، رسم ذاك اللقاء مسار الحرب على الإرهاب ووضع الخطط والأولويات والآليات لتنسيق جهود التحالف السوري الروسي الإيراني والقوات الرديفة لهزيمة الإرهاب ودحره من فوق الأراضي السورية، وشكل فرصة أيضاً لتنسيق المواقف والجهود الدبلوماسية للمضي قدماً في المسار السياسي، فموقف دمشق منذ بداية الحرب كان صريحاً تجاه أهمية تلازم المسارين العسكري -ضرب الإرهاب أينما وجد بيد من حديد- والسياسي -من خلال المشاركة الفعالة في كل مبادرات الحوار- انطلاقاً من رؤية واضحة بأن أي حل سياسي يستحيل تحقيقه دون القضاء أولاً على الإرهاب وحقن دماء السوريين ومنحهم الحرية التامة في تقرير مصيرهم.
أول من أمس كانت قمة سوتشي التي جمعت مجدداً الرئيسين الأسد وبوتين، وجاءت بعد ساعات من إعلان المدن والحواضر السورية خالية من داعش، وهزيمة التنظيم في آخر معاقله في البوكمال، في إشارة إلى انتصار التحالف الروسي السوري الإيراني أرضاً وجواً والقضاء على داعش، وإلى فضيحة التحالف الأميركي الذي يضم 60 دولة وتبين أن هدفه الحقيقي كان دعم التنظيم الإرهابي ومساعدته على الهروب والفرار وتقديم العون له، لا محاربته كما كان معلناً، فكان اللقاء هو لقاء المنتصرين والحليفين والصديقين، وهذا ما بدا واضحاً من خلال صور الاستقبال والعناق بين الزعيمين التاريخيين.
زيارة الرئيس الأسد إلى سوتشي تدشين لمرحلة جديدة، مرحلة ما بعد داعش وما بعد الحرب على الإرهاب التي لم تنته بعد ولن تنتهي، إلا بالقضاء على آخر إرهابي في سورية، وهذا بات قريباً جداً أو قاب قوسين، نتيجة التعاون الوثيق بين حلفاء سورية والجيش العربي السوري الذي استعاد كامل قدراته العسكرية، وبشهادة الأركان الروسية.
هي الاستعداد لمرحلة الحوار السوري السوري الذي تحدث عنه الرئيس الأسد منذ سنوات، المبنية على أسس واضحة أهمها منع تدخل الدول في الشؤون الداخلية لسورية، وفتح الآفاق أمام السوريين لتقرير مستقبلهم ومصيرهم، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وهي بالمختصر مرحلة الحوار الوطني الذي قد ينطلق مطلع الشهر القادم في سوتشي ذاتها، لينتقل فيما بعد إلى دمشق، ويؤسس لمرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء سورية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
المتابع يدرك جيداً أن مرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب ليست وليدة قمة سوتشي أول من أمس، بل هي نتاج عمل سياسي إقليمي ودولي معقد ومكثف وعميق، بدأ بالتنسيق بين دمشق وموسكو في قمة ٢٠١٥، تلاه إنجاز العديد من المصالحات الداخلية، واستمر في أستانا من خلال تفكيك الجبهات وتحديد «مناطق خفض التصعيد» والتمهيد لمصالحات جديدة، والقضاء على جبهة النصرة والفصائل الإرهابية التي تساندها، وسيتوج في الحوار الوطني في سوتشي الذي سيرسم ملامح سورية المستقبل، ويدعم مسار جنيف المتعثر، نتيجة تدخلات الدول المعادية لسورية وارتهان بعض المعارضات إلى القرار الخليجي، لا إلى مصلحة سورية والسوريين، ولا إلى سوريتهم التي تخلوا عنها لقاء حفنة من الدولارات.
فإذا كانت قمة موسكو التي جمعت الرئيسين الأسد وبوتين منذ عامين، قد وضعت أسس الحرب على الإرهاب، فقمة سوتشي تكون وضعت أسس مرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب، وكانت مناسبة لإعلان نصر «تحالف الحق» من خلال شكر الصديق الروسي على إخلاصه وجهوده وتضحياته ليس في الحرب فقط، بل على الساحة الدولية، حيت كانت موسكو، ومازالت، تقف بالمرصاد لكل محاولات الغرب التدخل في شؤون سورية من خلال مجلس الأمن أو المنظمات الدولية التي تتبع لها.
إن لقاءات القمة بين الرئيسين الحليفين والصديقين، ليست حدثاً عادياً، ولا تتم إلا في حال كان هناك تنسيق لجهود كبرى قادمة، ستكون هذه المرة جهود الحل السياسي إقليمياً ودولياً، والحوار الوطني، ومن أجل إنجاح هذه الجهود، كان لا بد للرئيس بوتين، المقرر له أن يستقبل اليوم الأربعاء الرئيسين الإيراني والتركي، أن يستمع من الرئيس الأسد مباشرة ما المقبول وما المرفوض لدمشق في إطار التسوية السياسية والحوار القادم، ليس بين السوريين فحسب، بل أيضاً بين روسيا ودول العالم كافة التي باتت توسط موسكو لإنهاء الأزمة السورية ووقف تدفق الإرهاب إلى المنطقة والعالم.
وبما أن الحل في سورية يستحيل دون دور للأمم المتحدة، فلا بد أن قمة سوتشي تطرقت إلى الدور المنشود للمنظمة الأممية في مساري جنيف وأستانا، وإمكانية دعم المسار الدولي بحوار وطني يجمع أكبر طيف من السوريين حول طاولة واحدة يقررون خلالها مستقبلهم ومصيرهم ويخففون بذلك من تعثر جنيف ويدفعونه إلى الأمام تمهيداً لإعلان حل دولي للأزمة كما يريدها السوريون في أغلبيتهم.
لقد أكد الرئيس الأسد مجدداً على انفتاح دمشق على كل الدول والمبادرات التي تسهم في حقن الدماء السورية، مشدداً على أن كل حل يجب أن يستند إلى القرار السوري والسيادة السورية، وهذه ترجمة لانتصارات وتضحيات الجيش السوري وحلفائه التي لا بد أن تنعكس على المسار السياسي من خلال تحصين السيادة السورية وقرار السوريين في تحديد مصيرهم ومستقبلهم.
إن قرار السوريين هو الذي سيحدد مسار جنيف ومقرراته، وليس رغبات وآمال دول الخليج أو أزلامها الذين بدؤوا يتساقطون واحداً تلو الآخر بعد انتصارات الحلف السوري وصمود السوريين والتفافهم حول قيادتهم وسيادتهم واستقلالهم الأمر الذي وضع نهاية لأوهامهم وأوهام من يمولهم.