حقائق لابد من الوقوف عندها

| عمار عبد الغني

عكس تصويت معظم دول العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة على إلغاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلق بالقدس، جملة حقائق لابد من الوقوف عندها والإضاءة عليها، خاصة أنها جاءت في خضم فوضى إستراتيجية نعيشها سيؤدي مخاضها إلى ولوج عالم جديد ربما يبدل تحالفات ويرسي تفاهمات تحدد شكل العالم لعقود قادمة.
فالحقيقة الأولى، عكست تخبط محور أميركا وأدواتها في الخليج، لجهة عدم تقديرهم لخطورة خطوة ترامب غير المحسوبة، إذ ظن أنه بأخذ موافقة دول الخليج على قراره سيحقق «الحلم الصهيوني» في سرقة القدس كمقدمة لتصفية القضية الفلسطينية وإلغاء حق العودة، ولكن سقط من حساباته أن في العالم دولاً حرة تناصر الشعوب المغلوبة والمسلوبة الحقوق، فرأينا جملة مواقف دولية بدءاً بأميركا اللاتينية وصولاً إلى الشرق الأدنى خلال جلسة التصويت تتحدى ترامب وتهديداته العقابية، وأكدت بالمجمل أن العالم ليس سلعة تباع وتشترى وفق الأهواء الأميركية والصهيونية، وأن حق شعب في استرجاع أرضه والحفاظ على مقدساته لا تلغيه جرة قلم رئيس مجنون.
أما الحقيقة الثانية، فقد تبين مدى الانحدار الذي وصلت به بعض دول الأمة وخاصة في الخليج التي كانت تنتظر أن يمر القرار لإرساء علاقات كاملة مع الكيان الإسرائيلي، حيث إن مملكة البحرين، أرسلت وفداً وصفته بالشعبي إلى هذا الكيان ليخرج بعدها وزير خارجية المملكة ذاتها التي لا تكاد مملكته ترى على الخريطة، بتصريح اعتبر فيه قرار تهويد القدس «قضية جانبية»؟! ولا شك أن الوزير البحريني يشاركه الرأي عدد من أقرانه في دول خليجية أخرى وضعوه في فوهة المدفع، ليقيسوا بعدها ردود الفعل، ويتحركوا بما يتناسب والضرورة التي تفرضها الوقائع التي جاءت على عكس ما يشتهون.
بينت الحقيقة الثالثة حجم الهوة بين السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي هب عن بِكرة أبيه نصرة للقدس والمقدسات، وسالت دماؤهم زكية على مذبح القضية، فيما قيادتهم جاء خطابها أقل بكثير من حجم الحدث.
الحقيقة الأهم من كل ما سبق، فقد اتضح أمام الرأي العام العالمي أن سورية رغم ما تمر به من محن وظلم من ذوي القربى، حتى من بعض الفلسطينيين الذين انقلبوا عليها وصوبوا فوهة البندقية بالاتجاه الخطأ، وقف مندوبها الدائم في الأمم المتحدة ليؤكد موقف بلاده الثابت إزاء القدس والقضية الفلسطينية وحتمية استعادة جميع الأراضي العربية المحتلة كاملة، وإنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وذلك انطلاقاً من عقيدتها الراسخة في الدفاع عن الحقوق والهوية العربية التي حاول محور الحرب عليها تدميرها في سبيل تبديل قناعاتها وفي مقدمتها موقفها الراسخ من القضية المركزية، ولكنه أخفق، وموقفها الأخير السالف الذكر، يبين أنها ستبقى «قلب العروبة النابض» وخط الدفاع الأول عن الحقوق وعن القومية العربية.
ما جرى منذ إعلان الرئيس الأميركي قراره بأن التعويل على المفاوضات للتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية بعيد المنال، وأن الطريق الوحيد لاسترجاع الحقوق المسلوبة هو بالمقاومة التي أخرجت الاحتلال من غزة وطردته من جنوب لبنان، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الصهاينة والبيت الأبيض، كما تأكد للجميع أن حكام الخليج هم جزء لا يتجزأ من محور التآمر، حيث وضعوا أنفسهم تحت العباءة الأميركية ويقدمون على خطوات تتجاوز أحلام ترامب ورئيس وزراء كيان العدو بنيامين نتنياهو، الشيء الوحيد الذي يمكن اعتباره إيجابياً يتمثل في أن الخطوة غير المحسوبة للرئيس الأميركي قد تكون فرصة لإيقاظ الشعوب العربية من سباتها الطويل والتحرك شعبياً لدفن تبعات «ربيع الخراب» والتوجه لنصرة فلسطين واستعادتها كاملة وليس فقط القدس، هو حلم لكنه ليس بعيد المنال في حال توافرت الإرادة.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!