سورية على أبواب العام الجديد

| بسام أبو عبد الله

أسئلة كثيرة تتزاحم في أذهان السوريين عن ماذا ينتظرهم في العام الجديد 2018، بعد سنوات سبع قاسية، ومريرة، ولم يسبق للذاكرة السورية أن شهدت مثيلاً لها على الأقل في المرحلة المعاصرة من تاريخها منذ الاستقلال عن المستعمر الفرنسي.
وتبدو مؤشرات التفاؤل أوزن في العام الجديد، مع التقدم الميداني والعسكري الذي حققه الجيش العربي السوري، والحلفاء وصولاً إلى محافظة دير الزور، والحدود مع العراق في البوكمال، وتحقيق الوصلة الجيوسياسية المهمة بين أطراف محور المقاومة الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، ليس فقط لأسباب عسكرية كما يروج الخصوم، وإنما الأكثر أهمية لأسباب اقتصادية تعود بالمنفعة على دول وشعوب المنطقة، وإذا أضفنا إلى كل ذلك التقدم الميداني التدريجي في غوطة دمشق الغربية بعد إنهاء وجود الجيب الإرهابي العميل في بيت جن فنحن أمام مشهد عسكري ميداني جديد تماماً، موصولٍ مع تقدم آخر تشهده مناطق ريف حماة الشمالي الشرقي قرب الحدود الإدارية لمحافظة إدلب التي تسيطر عليها قوى تكفيرية إرهابية تحت اسم «هيئة تحرير الشام» واجهة جبهة النصرة الإرهابية.
لا شك أن الصورة العامة للمشهد الميداني العسكري، وباعتراف الأعداء، والخصوم تؤشر إلى ميل الكفة بشكل كبير لمصلحة الدولة السورية، وهذا الأمر أقر به بوضوح شديد وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، والمصادر العسكرية الأميركية، والغربية عموماً، وكذلك عراب ما يسمى «الثورة السورية» وأحد قادتها وآبائها الروحيين السفير الأميركي السابق في دمشق روبيرت فورد، من خلال مقاله الأخير في صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية إذ أكد أن الدولة السورية سيطرت عسكرياً، وأن المشروع الأميركي هُزم في سورية.
على الرغم من هذه التأكيدات، ومعالم الواقع الميداني التي تؤشر وتؤكد ذلك، إلا أنه لا يمكن إعلان انتصار سورية التاريخي على أخطر مشروع فاشي إلا بانتهاء وجود آخر إرهابي على الأرض السورية كما أعلن الرئيس بشار الأسد مؤخراً، وهذه نظرة واقعية، وموضوعية لحقيقة خريطة الصراع على الأرض السورية إذ ما تزال بؤر إرهابية عديدة تنتشر على الأرض السورية منها ما هو تحت لافتة «مناطق خفض التصعيد» التي يخترق قواعد العمل بها الإرهابيون بين فترة وأخرى ما يتسبب في سقوط المزيد من الضحايا المدنيين، ومنها ما هو خارجها، ومع ذلك لابد من القول إن هناك مناطق مثل: الحدود مع الجولان المحتل، ريف درعا، غوطة دمشق الشرقية، بعض مناطق ريف حمص وإدلب، تحتاج إلى إيجاد حلول فيها، وإذا أضفنا إلى ذلك مناطق سيطرة القوى الانفصالية في الشمال السوري المدعومة أميركياً، وكذلك مناطق وجود قوات الاحتلال الأميركي، وأيضاً التركي، فإن ذلك يعني أننا أمام مواجهات جديدة في العام القادم إما ستُحل عبر المفاوضات والحوار، وأما عبر القوة العسكرية، ذلك أن التوجه الاستراتيجي للدولة السورية واضح ومعلن، وهو إعادة السيطرة على آخر شبر من أراضي الجمهورية العربية السورية، ورفض أي شكل من أشكال الفصل، أو القضم من أي طرف كان وتحت أي عنوان كان، ومن الواضح أيضاً أن هذا التوجه العام يحظى بالدعم الشعبي الوازن من السوريين بغض النظر عن التوجهات السياسية لهم.
أما سياسياً: فإن الأنظار تتجه نحو مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري الذي سيعقد بين 29-30 كانون الثاني القادم بمشاركة 1500- 1700 شخصية سورية تمثل مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والديني السوري، وهو المؤتمر الذي نتطلع إليه جميعاً بعين التفاؤل لأسباب مختلفة منها:
1- إن مسار جنيف أثبت حتى جولته الثامنة عقمه في إنتاج أي تقدم في المسار السياسي لأسباب أصبحت مكشوفة، وترتبط بقدرة قوى العدوان على سورية على التحكم بالأدوات التي تُسمي نفسها معارضة للتعطيل والتأخير والعرقلة وتسخير «جنيف» لأجندتها الخاصة، وليس لمصلحة سورية والسوريين.
2- ثبت أيضاً أن «مسار جنيف» استحدث كمسار للتفاوض بين سورية كدولة وحلفائها، وبين الولايات المتحدة وأدواتها المختلفة، وهذا الأمر يمكن رصده من خلال جولات جنيف واحدة تلوى الأخرى، إذ إنه بعد كل حسم عسكري كان يحققه الجيش العربي السوري والحلفاء، كان هناك دعوة للتفاوض في جنيف، والغاية بوضوح شديد محاولة الوصول للأهداف السياسية التي فشلوا في تحقيقها عسكرياً، وهذا أمر غير مسموح به أبداً كما أعلنت القيادة السورية أكثر من مرة.
إن محاولات الاحتيال التي تمت في جنيف عبر تغيير الوجوه «المعارضة» بين جولة، وأخرى، أو عبر محاولات التذاكي التي كان يقوم بها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، فشلت جميعها، لأن اللعب أصبح فوق الطاولة ومفضوحاً ومكشوفاً.
3- إن أهمية مؤتمر سوتشي للحوار الوطني هو أنه يقدم التمثيل الحقيقي للشعب السوري لأول مرة، وكان التمثيل المفبرك والمصنع خارجياً عبر ما يسمى «الهيئة العليا للمفاوضات»، والمنصات الأخرى ذلك أن مشاركة الأحزاب السياسية والمنظمات والنقابات والمؤسسات الدينية والاجتماعية والشبابية والنسائية، سوف تظهر أن مدعي المعارضة، إذا أردنا أن نكون موضوعيين، هم جزء من المشهد السياسي السوري، وليس الكل كما أرادت قوى العدوان تقديمهم، وعليهم أن يروا أنفسهم بالمرآة من دون تضخيم وتفخيم، وشعارات براقة أصبحت مفضوحة، ومن الماضي.
4- إن الصراع الحقيقي في سورية ليس على العناوين العامة التي يتحدث عنها أولئك المدعون في الخارج، مثل: الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، إذ إن الحاجة للإصلاح هي حاجة، وضرورة وطنية، وليست مطلباً دولياً أميركياً أو فرنسياً أو بريطانياً فهؤلاء آخر ما يهمهم قضايا ومطالب الشعوب، كما أن من أهم شروط الديمقراطية القادمة في سورية هو ارتباطها بالقضايا الوطنية والقومية، ومصالح الشعب السوري الاقتصادية والاجتماعية، إذ من قال إن الديمقراطي مثلاً يجب أن يكون مرتزقاً وعميلاً وخائناً ورهينة مصالحه الشخصية، ويعمل لدى أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية.
ثم سؤال طرحناه سابقاً على هؤلاء: لماذا يخشى الديمقراطيون السوريون الجدد الانتخابات؟! وحكم الشعب وقراره المستقل، ولماذا يريدون أن يفرضوا أنفسهم عبر معادلات إقليمية ودولية، وليس عبر قوى شعبية اجتماعية تدعمهم؟!
إضافة إلى هذا المشهد السياسي العام، فإنه يُلاحظ أيضاً أن هناك تغيراً ولو كان من حيث الشكل في النظرة الأوروبية الغربية لما يجري في سورية ليس من منطلق الخير والشر، وإنما بسبب فشل المشروع الغربي وسقوطه، وكذلك بسبب ارتدادات فشل المشروع على الساحة الأوروبية، وخاصة الإرهاب، ومسألة اللاجئين، وهما قضيتان ناجمتان عن السياسات الأوروبية الغربية المنافقة، والداعمة للإرهاب، والتي ما تزال تكابر في الإقرار بفشلها وسقوطها.
إن بدء عودة الأمن والاستقرار، إلى الكثير من المناطق السورية وأخص بالذكر حلب التي شاهدنا بعد عام على اندحار الإرهاب حجم السعادة لدى المواطنين السوريين، وكذلك بدء عودة الإنتاج والدورة الاقتصادية لمعامل واقتصاد المحافظة، وهذا المشهد بتقديري سوف نراه يتوسع شيئاً فشيئاً عام 2018 في الكثير من المناطق السورية.
يبقى الهم الاقتصادي والخدمي هو الأكثر إلحاحاً، وضغطاً على حياة المواطن السوري الذي يعاني من اختلال كبير بين دخله ونفقاته، الأمر الذي ينعكس مشاكل اجتماعية، وزيادة في نسبة الجريمة والتفكك الأسري والمجتمعي، وأعتقد أن التحديات الاقتصادية، والاجتماعية ستكون هي التحديات الأبرز لعمل الحكومة السورية في العام القادم، إضافة إلى معالجة الفساد الذي استشرى بشكل كبير، وتحول إلى سرطان يهدد ثقافة المجتمع، والأجيال الصاعدة.
وإذا كُنا قد مللنا من الحديث عن هذه القضية، فإن ما نكتشفه يومياً من أرقام مرعبة لحجم الفساد وانتشاره في كل مفاصل العمل الحكومي، يجعلنا نقدم نظرة ليست متفائلة للقدرة على مكافحته على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة في هذا الملف، حيث يتبين بنظرة دقيقة أن هناك شبكات مترابطة ومنتفعة، وليس أفراداً كما يريد البعض إفهامنا، فالفساد ليس قضية مالية فقط، إنما قضية أخلاقية ثقافية تربوية أيضاً، وهو ما يتطلب من الحكومة حماية ورعاية الشرفاء وهم كُثر في هذا الوطن.
بشكل عام: أنا متفائل بالعام الجديد 2018 الذي يبدو أنه سيكون عاماً لبدء تحرك مسار الحل السياسي، وإنهاء هذه الحرب الدموية الفاشية، وهو ما سيضع أمامنا تحديات ما بعد الحرب، وهي كبيرة وضخمة وهائلة، ولكن الثقة كبيرة بشعبنا الذي قدم نموذجاً للصمود والثبات، وسيقدم نموذجاً في النهوض والارتقاء للأفضل.
وكل عام وسورية وشعبها وجيشها بألف خير.