الخاصرة الرخوة

| سامر ضاحي

يمكن اعتبار منطقة التنف في شرق البلاد، أبرز البؤر التي تعوق الانطلاقة السورية الاقتصادية في زحمة الانتصارات العسكرية التي تتحقق، ويبدو أن التفاهمات الروسية الأميركية غير المعلنة إلى اليوم في شمال شرق سورية، باتت على المحك في البنود المتعلقة منها بمصير التنف، فالروس أعلنوا صراحة أن دمشق لن تقبل بالوجود الأميركي على أراضيها بعدما سحبوا القسم الأكبر من قواتهم على الأراضي السورية.
وعلى مدى عقود كانت لبنان تعتبر الخاصرة الرخوة لسورية، أما الوجود الأميركي اليوم في التنف فبات بحكم المؤكد أن جعل التنف أكثر رخاوة من الخاصرة اللبنانية، وإن كان ثمة تشابه كبير بين العدوّين، الإسرائيلي القريب من الخاصرة الغربية، والأميركي المحتل للخاصرة الشرقية.
ومع ثبات اتفاقيات خفض التصعيد حتى اليوم، وأفول تنظيم داعش الإرهابي والتقاء الجيشين السوري والعراقي على الحدود، باتت كل الظروف مهيأة للإعمار والتطور الاقتصادي، إلا أن الشريان الاقتصادي الأهم بين دمشق بغداد لا يزال يعاني من عقدة سوداء في التنف ومن الأفضل أن يكشف الروس فحوى اتفاقاتهم مع الأميركيين لاسيما على ما يبدو أن إقامة الجنود الأميركيين في قاعدة التنف بالجهة الشرقية لسورية قد طابت لها.
ليس من قبيل المصادفة أن يجيش الاحتلال الصهيوني إعلامه مخافة تعرضه لحرب مع تقدم الجيش واقترابه من حسم ملف غوطة دمشق الغربية إلى غير رجعة، ليقترب من الجولان العربي السوري يرافقه تعطش السوريين لتحريره، قابله أيضاً إعلان إعلام «حميميم» محاصرة منطقة التنف بمساحة 55 كيلو متراً من قبل الجيش السوري وهذا الإعلام دأب مؤخراً على كشف بعض المعارك قبل بدايتها.
وفي ضوء ضبابية الوجهة المقبلة للجيش مع حسمه ملف بيت جن أن كان باتجاه جنوب العاصمة أو شرقها، فلا ترجيح بعمل عسكري حالياً ضد الشريط الذي تسيطر عليه جبهة النصرة على خط فصل القوات مع الكيان الصهيوني، لكن مطلب استعادة التنف بات ملحاً بموازاة التوجه المتسارع باتجاه مطار أبو الظهور العسكري في إدلب لإتمام نصر المعابر الذي بدأ في البوكمال، ويبدو أن الروس من خلال التسريبات السابقة مستعدون لإعادة النظر بتفاهماتهم مع واشنطن التي مازالت مواقفها وفق التعبير الروسي «مبهمة» حول هذا الأمر.
في خضم إعادة صياغة التفاهمات قد يطالب فريق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إبعاد قوات الحشد الشعبي العراقية عن الحدود السورية مقابل ترتيبات ما في التنف إذا ما قبلت تسليمها لأنه من غير المرجح أن تدخل القوات الأميركية بمواجهة مباشرة مع الجيش السوري لاعتبارات عديدة لدى الطرفين أهمها بالنسبة لواشنطن أن الجيش السوري جيش الدولة الرسمي ولا تريد الوقوع في حرج أن تحالفها الدولي المزعوم ضد داعش لم يدخل بمواجهة مباشرة مع التنظيم طيلة سنوات تشكله فيما لو دخل بمواجهة مباشرة مع الجيش.
وقد تفضي التفاهمات الجديدة إلى انسحاب أميركي من التنف يعري المسلحين المتواجدين في تلك المنطقة لكن طريق الجيش إلى هناك لن يكون معبداً بالورود للقيام بعملية خاطفة في ظل الأنباء عن إعادة واشنطن ترتيب المسلحين في الحسكة بمسمى «جيش سورية الجديد»، ومن المرجح أن تكون ثمة ترتيبات لربط مسلحي التنف به ودعمهم، لكن النهاية لن تكون إلا لصالح فتح المعبر الدولي باتجاه بغداد، ويبدو أن واشنطن تدرك قدرتها الجيدة على فرض رقابة على طول خط بغداد دمشق إن كان بتواجدها المباشر عليه في القسم العراقي أو بوسائل أخرى قد تكون التكنولوجيا أبرزها.