موازين القوى والفرص الضائعة في سورية

| عبد القادر النيّال

يستخلص من التصريحات التي تصدر عن أطراف من المعارضة السورية من حين لآخر، أنها ما زالت تعاني من مشكلة سوء تقدير موازين القوى المنخرطة في الصراع الذي يجري في سورية، إذ بالرغم من اتجاه موازين القوى في الداخل والخارج لصالح النظام في سورية، تصر المعارضة على عدم الدخول في حوار جدي معه لوضع حد لنزيف الدماء والدمار الذي يجري في البلاد.
لم تتعلم كل الأطراف من تجاربها الماضية أن سوء تقدير موازين القوى لم يساعدها على تحقيق تطلعاتها، بل أفضى بها إلى السير في متاهات دفعتها إلى الوقوع في أحضان القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على سورية.
في بداية الحراك السياسي منتصف عام 2000، بالغ نشطاء «لجان إحياء المجتمع المدني» المعارضة للنظام السوري، في تقدير قوتهم الذاتية التي لم تتجاوز في حينها بضع مئات من الأفراد، ولم يحسنوا تقدير قوى النظام الذي تمتد جذوره لأكثر من ثلاثة عقود، ما دفعهم إلى رفع منسوب مطالبهم وتبني خطاب لا يخلو من الاستفزاز ولا يتوافق مع قدراتهم الذاتية المتواضعة.
قاد سوء تقدير موازين القوى هذا إلى دخول النشطاء في نزاع غير متكافئ مع النظام، ما أدى إلى إجهاض الحراك السياسي وضياع فرصة ثمينة لتحقيق تغيير سياسي توافقي متدرج في سورية.
كانت الحكمة تقتضي أن يتبنى هؤلاء النشطاء خطاباً هادئاً يسلط الضوء على مواطن الخلل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بأسلوب يحاكي العقل ويبتعد عن الانفعال ويخلو من الاستفزاز والتحدي، وأن يعملوا على تعميق تواصلهم مع الشرائح الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير لتشجيعها على الالتقاء والنقاش والتفكير في القضايا العامة.
وكان يمكن أن تكون صيغة «لجان إحياء المجتمع المدني» مدخلاً مناسباً يساعد على إعادة الحياة السياسية للمجتمع، وتسهم في تفعيل المجتمع المدني وتوسيع حيز نشاطاته وتعزيز دوره في الحياة العامة لو كانت مطالبها متوافقة مع قدراتها الذاتية وقابلة للتحقيق.
فرصة أخرى ضاعت لتحقيق تغيير توافقي متدرج في سورية، عندما ساد اعتقاد لدى أطراف من المعارضة السورية في أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 بأن الولايات المتحدة قادمة إلى سورية، وأنه يجب ملاقاتها بخطاب مناسب وأن سقوط النظام أصبح قاب قوسين أو أدنى، الأمر الذي دفعها إلى رفع منسوب مطالبها والاصطفاف إلى جانب القوى اللبنانية المعادية للنظام السوري، وبالتحاقها بتلك القوى اللبنانية تعمقت صلات أطراف المعارضة السورية مع الخارج الإقليمي والدولي وازدادت ارتباطاتها بهما مع اندلاع حركة الاحتجاجات في سورية منتصف آذار 2011، وتسللت القوى الإقليمية والدولية المعادية لسورية دولة ونظاماً، إلى أوساط المعارضة السورية عبر المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات، وعملت على إيهامها بأنها تقف إلى جانبها ولن تتخلى عنها، وجهدت لحثها على تصليب مواقفها وإقناعها بأن النظام السوري آيل للسقوط لا محالة.
أسهمت الأوهام والوعود التي قدمتها الدول الإقليمية والغربية المعادية لسورية إلى المعارضة السورية في تكريس عجزها عن إجراء تقييم دقيق لموازين القوى ما قادها إلى رفض فكرة الحوار مع النظام وتمسكها بشعار إسقاط النظام معتقدة أن انهياره مسألة أيام أو أسابيع، وطالبت من دول أو «أصدقاء الشعب السوري» التدخل العسكري لتحقيق ذلك.
لم تكن المعارضة السورية الطرف الوحيد في الأزمة السورية الذي فشل في تقدير موازين القوى، إذ لم تحسن القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة، في تقدير قوة النظام السوري وقدرته على التماسك والصمود في وجه حركات الاحتجاج المتعاظمة، واعتقدت تلك القوى في ضوء انتشار المظاهرات في الغالبية العظمى من المناطق السورية، أن النظام سوف يتفكك وينهار.
راهنت القوى الإقليمية والدولية المعادية لسورية على انشقاق قطاعات وازنة من الجيش وانضمامها إلى صفوف المعارضة، وعلى انفراط عقد القاعدة الشعبية المؤيدة للنظام وتخليها عنه، وعلى انسحاب شخصيات سياسية وحكومية وفعاليات اقتصادية والتحاقها بالمعارضة، ولم تبخل دول خليجية في تقديم الإغراءات والأموال لتحقيق ذلك، كما قدمت عروضاً للرئيس بشار الأسد للخروج الآمن من سورية إذا وافق على تخليه عن السلطة، على أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته تلك القوى هو سوء تقدير وطنية الشعب السوري وتمسكه بأرضه ودولته.
عندما اكتشفت تلك القوى خطأ رهاناتها، اتجهت نحو السيناريو الليبي، ودفعت المعارضة الخارجية لتكثيف طلباتها لإقامة مناطق آمنة ومناطق حظر الطيران بذريعة حماية المدنيين، لكن مشاريع القرارات الفرنسية والبريطانية اصطدمت بحائط الفيتو الروسي الصيني، ما حال دون تنفيذ السيناريو الليبي في سورية.
إزاء استحالة تمرير قانون عبر مجلس الأمن يتيح تدخلاً عسكرياً في سورية بسبب الفيتو الروسي والصيني، لجأت دول خليجية مثل السعودية وقطر ودول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا إلى ممارسة ضغوط على الإدارة الأميركية للقيام بعمل عسكري دون العودة إلى مجلس الأمن، واعترف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في تصريحات أدلى بها لمجلة «الأتلانتيك» الأميركية ونشرت في 10 آذار 2016 وقال: «إن بعض حلفائنا الخليجيين والأوروبيين جامح ويرغب في إدخالنا في صراعات دموية لا تناسب مصالحنا»، ولاحتواء استياء الخليجيين والأوروبيين من تصريحات أوباما، أوضح المتحدث باسم البيت الأبيض جون أرنست أن تصريحات الرئيس في المقابلة كان المغزى منها بصورة عامة أن الولايات المتحدة لا يمكنها ولا يجب أن تضع نفسها في موقع تكون فيه شرطياً على العالم، وذلك بحسب ما نقلته صحيفة «الأهرام» المصرية في 15 آذار 2016.
في الواقع، لم يستجب أوباما للضغوط الخليجية والأوروبية لأنه يدرك أن التدخل العسكري في سورية، سيؤدي إلى تفجير المنطقة ويلحق أضراراً بالغة بإسرائيل ويدفع بالولايات المتحدة إلى الغوص في وحول الشرق الأوسط، ولعله من المهم أن نشير أن أوباما اعترف أن دعم الحلف الأطلسي في تدخله العسكري في ليبيا كان خطأ بعد أن تبين تقاعس فرنسا وبريطانيا.
مهما يكن من أمر، استمر الرئيس الأميركي في فرض العقوبات الاقتصادية على سورية وفي الطلب إلى الرئيس الأسد التخلي عن السلطة، وتابعت دول خليجية وأوروبية بالإضافة إلى تركيا، الضغط للقيام بتدخل عسكري في سورية، وواظبت السعودية وقطر على تجنيد عناصر متطرفة وتمويلها وتسليحها وإرسالها إلى سورية عبر تركيا للقيام بأعمال إرهابية يذهب ضحيتها مدنيون ولاسيما أطفال ونساء وتلحق الدمار بالأبنية والمنشآت وتستنزف الجيش السوري.
لم يكن النظام السوري بمنأى عن سوء تقدير الأوضاع وموازين القوى. إذ لم يولِ النظام اهتماماً كافياً لتأثير النتائج السلبية للسياسات الاقتصادية الليبرالية التي تصاعدت خلال النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحالي والتي تجلت في تفاقم البطالة والفقر وسوء توزيع الدخل والثروة، على الاستقرار الاجتماعي، وأدى تضافر النتائج السلبية للسياسات الاقتصادية الليبرالية مع تردي الأوضاع الاقتصادية في المناطق الأكثر فقراً ولاسيما في المنطقة الشمالية الشرقية، إلى نمو إحساس بالغبن وانسداد الأفق المقترن بمشاعر الغضب والتذمر لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوري.
كما لم يحسن النظام تقدير مخاطر انتشار الفكر الوهابي المتطرف في الريف السوري ولاسيما في محافظات ريف دمشق وإدلب وحماة، وقدرته على الاستفادة من فساد بعض عناصر الأمن لنشر دعوته وإقامة شبكة من الأنفاق في بعض المناطق والحصول على السلاح.
لم يدرك النظام المرامي الحقيقية التي تكمن خلف الاندفاع والحماس الذي أبدته تركيا وقطر للتقارب مع سورية، إذ تبين فيما بعد أن التقارب لم يساعد على تحقيق مصالح كل من تركيا وقطر فحسب، بل يمكن استخدامه كوسيلة للضغط على النظام لتقاسم السلطة مع جماعة الإخوان المسلمين.
خُيل للنظام أن مواقفه القومية المناهضة للهيمنة الأميركية ومشاريعها الشرق أوسطية المتناغمة مع توجهات الشعب، تحول دون امتداد الحركات الاحتجاجية إلى سورية، وغاب عن تفكيره، أن تلك المواقف تضعه في مقدمة الأنظمة المستهدفة للتغيير، وأن ما يدرأ عنه رياح الحركات الاحتجاجية هو تجاوبه مع تطلعات الشعب السوري الأمر الذي يجعله يشدد التفافه والتحامه بالنظام.
وبادر النظام لتجاوز الأزمة عبر سلسلة من الإجراءات باتجاه معالجة القضايا المطروحة من قبيل: إقالة محافظين، رفع حالة الطوارئ، إلغاء المحاكم الاستثنائية، منح الأكراد الجنسية السورية، إقرار مشاريع قوانين الإعلام والأحزاب والانتخابات العامة، إصدار عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 31 أيار 2011، تشكيل هيئة للحوار الوطني برئاسة نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع حينها لوضع الأسس لحوار وطني وتحديد آلية عمله وبرنامجه الزمني.
إن السوريين أضاعوا فرصة ثمينة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة، يضع حداً لنزيف الدماء والدمار، وذلك بعدم تعاملهم بجدية مع مبادرة اللقاء التشاوري.