الحدث الإيراني والشرق الأوسط

| أنس وهيب الكردي

من نافل القول: إن ما يجري في إيران له تداعيات إقليمية هامة، نظراً للدور الكبير الذي تعلبه طهران في الشرق الأوسط.
وإلى وقت قريب كان توقع اندلاع مثل هذه الاحتجاجات الدائرة في إيران ضرباً من الجنوح الفكري، لذلك، توصف الأحداث الجارية في الجمهورية الإسلامية بأنها أبرز تطبيق لنظرية «البجعة السوداء»، أي بروز موقف بشكل مفاجئ ومن خارج السياق على مشهد ما، بما يؤدي إلى تعديله جزئياً أو كلياً، وتغيير حسابات الأطراف الفاعلة، وربما يكون الأصعب الآن هو توقع تداعيات حدث من هذا النوع.
إيران فاعل أساسي في التوازنات الإستراتيجية للشرق الأوسط، وهي تمارس دوراً أولاً في لبنان، وتتنافس مع الولايات المتحدة على الموقع الأول في السياسات العراقية، وهي من بين القوى الثلاث الأكثر تأثيراً في الأزمة السورية إلى جانب روسيا والولايات المتحدة، وفي اليمن تتنافس مع السعودية وحلفائها على تحديد مصير البلاد، وأخيراً، لطهران نفوذ لا يستهان به في السياسات الأفغانية.
وبينما يمكن الافتراض بأن السلطات الإيرانية ستركز على التعامل مع الاحتجاجات في وسط البلاد، فإنها ستكون واعية إلى مخاطر انجرار الأطراف الإقليمية إلى استغلال الموقف المتشكل وتكرار السيناريو السوري، إلا أن الدول الإقليمية المحيطة بإيران لا تبدي أي حماسة لأي هزة للاستقرار الإيراني، آخذةً بعين الاعتبار تداعيات الأزمة السورية على أمنها الوطني والأمن الإقليمي، وتأتي على رأس تلك الدول، روسيا، التي أسدلت ما يشبه المظلة على إيران، عندما شددت على رفضها التدخل الخارجي في هذه الدولة.
أما تركيا، والتي لا تزال تجاهد لضبط الفوضى التي خلفتها سياسة رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو تجاه سورية، لن تقدم على زعزعة استقرار دولة جارة مثل إيران، لما له من تداعيات مخيفة على مجمل استقرار المنطقة، فضلاً عن مخاوفها من بروز التوجهات الانفصالية بين أكراد إيران، والأكثر ترجيحاً أن يحفظ المسؤولون الأتراك لنظرائهم الإيرانيين موقفهم حيال محاولة الانقلاب التي هزت تركيا صيف العام 2015، والتي اتهمت السلطات التركية علانية الدول الغربية بتدبيرها، فلقد سلفت إيران بالفعل حكومة «العدالة والتنمية»، عندما اتخذت موقفاً معارضاً لتلك المحاولة على الرغم من المواجهة التركية الإيرانية المستمرة الفصول في حينه حول سورية.
إلى الجنوب الشرقي من إيران، باكستان التي تتمتع بعلاقات أمنية واستخبارية قوية مع طهران، وتدرك إسلام آباد أيضاً، مخاطر أي هزة للاستقرار في إيران، خصوصاً أنها تعاني من تداعيات الغزو الأميركي لأفغانستان، حتى الأوروبيون أو البريطانيون، اتخذوا مواقف عقلانية تجاه الأحداث في إيران، وذلك بخلاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي ظهر بمظهر قائد الاحتجاجات الإيرانية من على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر».
مع تأمين الحدود مع كل من تركمنستان، تركيا، باكستان والعراق، إضافة إلى الموقف الروسي الداعم لإيران، سارعت طهران إلى فتح المعابر الحدودية مع كردستان العراق، في ما بدا أنه مسعى لتحييد الإقليم عن أي خطط غربية أو إقليمية تستهدف زعزعة الاستقرار في غرب إيران، حيث الأغلبية من الأكراد.
على حين تعمل السلطات الإيرانية لاحتواء الاحتجاجات وتجاوزها، أسوة بما فعلته سابقاً سواء عام 2009 أو 2012 أو أواسط العام 2017 الماضي، ستسرع السعودية خطواتها لتحقيق اختراق في حرب اليمن سواء في محور صنعاء أو تعز، في حين ستسخر واشنطن مزيداً من الموارد لدعم حلفائها في العراق استعداداً لمعركة الانتخابات النيابية في أيار المقبل.
لقد جاءت الاحتجاجات في وقت حساس لناحية تشكيل مسار المنطقة ما بعد انهيار دولة تنظيم داعش.