رياضة

أول قوانين كرة القدم مازالت تحافظ على رونقها وشعبيتها أصبحت على المحك … الإنكليز وضعوها والتجار يحاولون قولبتها لمصالحهم

| خالد عرنوس

ربما حمل عام 2018 التغيير الأكبر على بعض قوانين لعبة كرة القدم ففي العام الماضي أفادت تقارير إعلامية عن مقترحات متداولة على مستوى أصحاب الرأي في الفيفا ولجنة البورد المخولة إقرار التعديلات الجديدة على اللعبة مفادها أن اجتماعات الفيفا والبورد في آذار (مارس) القادم ستناقش هذه المقترحات التي يصيب بعضها قانون اللعبة في الصميم.
ففي العام الماضي أقرت الاستعانة بالإعادة التلفزيونية من أجل القرارات التحكيمية المثيرة للجدل كضربات الجزاء ودخول الكرة المرمى من عدمه وكذلك التسلل، وفي حال أقرت التعديلات المقترحة هذا العام سيكون العام الحالي شاهداً على تغييرات جذرية على شكل ومضمون اللعبة الشعبية، في السطور التالية نحاول قراءة بعض هذه المقترحات.

اختلاف وقوانين
تختلف المراجع حول حقيقة أول من مارس لعبة كرة القدم تاريخياً إلا أن كلاً من الصين ومصر ودول إسكندنافيا واليابان وإيطاليا تقول إن البداية كانت في ربوعها وقد تكون شعوب كل هذه البلدان وغيرها عرفت لعبة ما يمارس فيها ركل الكرة وإن اختلفت بين بلد وآخر بالتسمية وبالشكل أو المضمون إلا أن الإجماع أن كرة القدم التي نعرفها الآن يعود الفضل في قوننتها وبعثها للحياة إلى الإنكليز الذين مارسوا لعبة الرجبي (الركبي) بقوانين عنيفة خلال قرون خلت قبل أن تقتبس منها لعبة كرة القدم التي خرجت باسم (سوكر) بعدما طرأت عليها تعديلات شذبتها وحاولت تخليصها من أهم ما يميز الرجبي وهو العنف بكل أشكاله.
ففي عام 1862 أصدر مدير مدرسة ابينغهام (إدوارد ترينغ) القوانين العشرة الأولى للعبة كرة القدم لكنها تضمنت بنداً يقول يحق للاعب أن يوقف الكرة بيديه لوضعها أمامه على الأرض ويمنع على اللاعبين الضرب بالكتف ومحاولة ركل الكرة وهي في الهواء ويمنع ركل اللاعب أو إيقافه بعنف ويحتسب الهدف عند دخول الكرة بين العارضتين (لم تكن هناك عارضة) وعندما تخرج الكرة خارج خط الملعب يتعين على اللاعب الذي أخرجها إعادتها إلى منتصف الملعب بخط مستقيم.

«ألكوك» الأب الروحي
هذه القوانين لم تعجب لاعب الرجبي ولم تنل رضا المناصرين لجعل كرة القدم لعبة مستقلة وفي العام التالي وتحت عنوان (وداعاً للرجبي) اجتمع مندوبو الأندية القائمة آنذاك لتأسيس أول اتحاد يشرف على اللعبة الوليدة وكلف جيمس فريدريك ألكوك صياغة القوانين الكاملة للعبة (سوكر) وكان ذلك، فهذا الرجل الذي كان يرأس نادي فوريست أبعد كل ما يتعلق بلعبة الرجبي وجعل كرة القدم تتميز بقوانينها البسيطة شكلاً ومضموناً وفوق ذلك فقد كان صاحب الفضل بإطلاق أول بطولة رسمية للعبة الجديدة بعد ذلك بثماني سنوات عندما انطلقت بطولة الاتحاد الإنكليزي ويشاركه هذا الشرف شقيقه تشارلز والطريف أن ألكوك كان رئيس الواندرز أول بطل لكأس إنكلترا وكان قبلها بعامين عين سكرتيراً للاتحاد الإنكليزي وفي عهده نظمت أول بطولة للدوري ولذلك فهو يستحق لقب «أبو كرة القدم» وقد بقي في منصب السكرتير مدة ربع قرن تطورت فيها اللعبة كثيراً وبدأت بالازدهار فانتشرت انتشار النار في الهشيم أما شقيقه تشارلز فقد أصبح رئيساً فخرياً للاتحاد بقية عمره.

تعديلات متلاحقة
17 مادة نظمت قوانين كرة القدم وتبدأ من الملعب ومساحته والكرة وعدد اللاعبين ومعداتهم ووقت اللعب وكيفية احتساب الهدف والتسلل والأخطاء ورمية التماس والحكام وكيفية احتساب الأخطاء ولمسة اليد.
وفي عام 1872 كان أول تعديل كبير حيث أقر حجم موحد للكرة وأصبحت الركلة الركنية تنفذ من زاوية الملعب وفي 1875 وضعت العارضة الأفقية ليتحدد حجم المرمى طولاً وعرضاً وبعد ثلاث سنوات أصبح الحكام يستعملون الصافرة عوضاً عن المناديل والرايات التي كانت ترفع عند الإعلان عن أي حدث مهم.
في عام 1882 أنشئ مجلس تعديل قوانين كرة القدم (البورد) وضم أربعة أعضاء من إنكلترا واسكتلندا وإيرلندا الشمالية وويلز قبل أن يتوسع بأربعة أعضاء من الفيفا في عام 1905، وفي 1890 اخترعت شباك المرمى وفي العام التالي أصبح يقود المباراة حكم ساحة وحكمان للتماس بعدما كان يقوم بالتحكيم حكمان في نصفي الملعب ويشرف عليهما حكم محايد رئيسي.
وفي العام ذاته 1891 ولدت ركلة الجزاء عقوبة للأخطاء داخل المنطقة ومنع الهدف أو فرصته بالقسوة أو بلمس اليد وكانت تنفذ على بعد 12 ياردة ويحق للحارس التحرك لمسافة 6 ياردات عند التنفيذ وفي 1905 ألغي الجزء المتعلق بالحارس، علماً أن الأخير كان بإمكانه لمس الكرة بيده في كل أرجاء الملعب حتى منع من ذلك 1912 ثم منع بحمل الكرة لأكثر من ثلاث خطوات عام 1919، وفي عام 1913 طبق الحكام للمرة الأولى مسافة الياردات العشر عن الكرة الثابتة.

الجمال والبساطة
بهذه التعديلات أصبحت اللعبة أكثر جمالاً وشعبية وخاصة أن أدوات اللعب وصناعتها التي كانت تواكب العصر وخاصة مع دخول الإذاعة والتلفزيون على خط اللعبة التي رافقتها بعض التعديلات الشكلية التي زادت من رونق اللعبة.
معظم التعديلات اللاحقة حتى تسعينيات القرن الماضي كانت تبتعد عن جوهر قوانينها ومنها إقرار القرعة بعد التعادل خاصة في المسابقات التي يقتضي فيها الفوز وكانت المباريات تعاد أو يلجأ الفريقان إلى مباراة فاصلة ثم أقرت ركلات الترجيح التي سبقها عملية تبديل اللاعبين بدءاً من الحارس المصاب 1965 ثم تبديل لاعبين 1967 ولا ننسى في تلك الفترة بالذات خروج البطاقات الملونة إلى العلن بعدما كان الحكام ينذرون ويطردون شفهياً.
وغابت التعديلات الكبيرة حتى نهاية الثمانينيات عندما أصبح الهاجس مكافحة العنف واللعب الدفاعي فجاء منع لمس الحارس للكرة باليد عندما تعاد من زميل كأهم تغيير ثم جاء دخول الحكام مرحلة الاختصاص فأصبح حكم للساحة وآخرون للتماس تحت اسم مساعدين مع زيادة في صلاحية هؤلاء، وفي منتصف التسعينيات بدأ العمل بالهدف الذهبي الذي بقي قرابة 9 سنوات قبل أن يلغى شأنه شأن الهدف الفضي، وخلال هذه الفترة جرى أكثر من تعديل على قانون التسلل وهي إحدى الحالات التي طالما أرقت الجميع.
دخول التكنولوجيا
منذ وقت طويل كان كثيرون يطالبون بدخول التكنولوجيا من أجل اتخاذ أو الفصل ببعض القرارات الحاسمة ولاسيما دخول الكرة المرمى من عدمه وقد أقرت هذه المادة بعد جدال طويل وبدأ العمل بالكرة الذكية منذ مونديال 2014 رسمياً ومع نجاح التجربة زادت المطالب بالاحتكام للإعادة التلفزيونية وهكذا كان في صيف العام الحالي عندما شاهدناها عملياً في بطولة كأس القارات وقد بدأت الاتحادات الأوروبية بالعمل على إدخالها في بطولاتها المحلية، وهذا يعني أننا دخلنا عصر التكنولوجيا في عالم المستديرة رسمياً والقادم أعظم.

تغييرات جذرية منتظرة
كل هذا الكلام وحتى الآن تبدو اللعبة مقبولة شكلاً ومضموناً وقد تحافظ على مكانتها كلعبة انسيابية تخلب ألباب متابعيها وعشاقها إلا أن هذا الأمر قد يتغير في القريب، ففي العام القادم ستطرح عدة أفكار (ثورية) قد تكون فعلاً تبديلاً في جذور اللعبة الأساسية. وفي مطلعها حكاية إيقاف اللعب عند خروج الكرة أي لعب الدقائق التي يتبادل فيها الفريقان الكرة وبالتالي تقليص وقت المباراة إلى ساعة على ثلاثة أشواط أو أربعة أشواط، وكذلك السماح للاعب بلمس الكرة أكثر من مرة عند تنفيذ الركلات الركنية أو الثابتة أو تنفيذ الخطأ من دون تثبيت الكرة على الأرض وتمرير اللاعب الكرة لنفسه من رمية التماس واحتساب الكرة هدفاً عند محاولة المدافع منعها من دخول المرمى بيده واحتساب ركلة جزاء عند لمس الكرة بيده عند إعادتها من زميل بدلاً من ركلة حرة.
لم تكن قوانين اللعبة من المقدسات على الرغم من محاولات هيئة البورد الإبقاء على روح البساطة فيها لكن جشع المعلنين ودخول الأثرياء أجواء اللعبة وارتفاع الأسعار الجنوني في سوق اللاعبين وفي سوق الإعلان على صعيد أسعار النقل التلفزيوني جعل المطالب تزداد لجعل اللعبة تتناسب مع مصالح كل هؤلاء وربما نشاهد كرة قدم 2018 غير تلك التي تابعناها طوال عقود طويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن