في تطور العلاقات الأميركية الباكستانية مؤخرا

| عبد المنعم علي عيسى

منذ ما يزيد على الشهرين خرجت إلى العلن بوادر أزمة سياسية يمكن أن تشهدها العلاقات الأميركية الباكستانية، فقد خرج الرئيس الأميركي في تشرين الثاني الماضي ليقول: «نحن نقدم مساعدات مالية ضخمة لباكستان وعليهم تقديم المساعدة لنا»، قبل أن تنشر صحيفة النيويورك تايمز تقريراً في 29 من الشهر الماضي مفاده أن واشنطن تدرس بجدية إيقاف المساعدات الأميركية لباكستان وخصوصاً منها 255 مليون دولار كانت مستحقة الدفع في الفترة الماضية، ولم يمض وقت طويل لكي تصبح توقعات الصحيفة الأميركية واقعاً عملياً، فقد أعلن في واشنطن يوم الرابع من الشهر الجاري عن إيقاف تلك المساعدات، ثم أعلن أن قرار التجميد قد يصل إلى حدود ملياري دولار.
عكف تقرير «نيويورك تايمز» سابق الذكر على ذكر الخلفيات التي تقف وراء تجميد المساعدات، وقد استطاع وضع اليد على موضع الألم، فقد ذكر أن مسؤولين أميركيين كانوا قد حاولوا في الفترة الماضية لقاء أحد أعضاء شبكة «حقاني» المرتبطة بحركة طالبان والذي استطاعت الاستخبارات الباكستانية إلقاء القبض عليه، بغية الحصول على معلومات مهمة في شأن أميركي واحد على الأقل، إلا أن محاولاتهم قد قوبلت بالرفض كما يقول التقرير، وفي أعقاب ذلك الفشل أعلن ترامب في اليوم الأول من السنة الجديدة: «أن أمريكا منحت بحماقة مساعدات وصلت إلى حدود 33 مليار دولار على امتداد 15 عاماً» ثم أضاف: «إنهم يوفرون ملاذات آمنة للإرهابيين الذين نتعقبهم في أفغانستان».
هذه التطورات السابقة تعني أن هناك انقلابا حقيقيا في طبيعة التعاطي الأميركي مع الباكستان وكذا العديد من الحلفاء ممن هم على شاكلتها، فعلى امتداد العلاقة الأميركية الباكستانية الممتدة منذ ولادة دولة باكستان عام 1947 كانت القاعدة الناظمة لها تقوم على أساس مهم هو أن سقف المطالب الأميركية أو تلبيتها إنما يتوقف على الحدود التي تتيحها تعقيدات الشارع الباكستاني التي تعتبر دون أدنى شك أهم ركيزة في بناء الأمن القومي الباكستاني، وعليه فإن عمل القيادة الباكستانية يصبح هنا أقرب ما يكون إلى محاولة التوفيق ما بين تلك المطالب وبين مزاج الشارع الباكستاني الذي تجهد استخباراته في تحديد ميوله الغالبة وتلك الصاعدة أيضاً، والمؤكد هو أن واشنطن كانت على مر المراحل الماضية تبدي تفهما كبيراً للمواقف التي تتخذها إسلام أباد من المطالب الأميركية، وهذي الحال لم تتغير حتى في أعقاب زلزال أيلول 2001 الذي اتهمت الحاضنة الأفغانية بولادته حتى قبيل أن يستقر رماد برجي التجارة العالميين على الأرض، والمؤكد أن نظيرة تلك الحاضنة الباكستانية ليست ببعيدة عن الاتهام الأميركي لها مع فارق واحد هو التعاون الذي أبدته السلطات الباكستانية مع واشنطن بخلاف نظيرتها الأفغانية التي أبدت دعما لتنظيم القاعدة المتهم الأول في تلك الأحداث، وكل ما تغير هو أن كم المعلومات المعطى لواشنطن قد تضاعف إلا أن حجم المعلومات غير المعطى هو الآخر كان قد تضاعف أيضاً وهو ما كانت تدركه CIA جيدا، حتى الخدمة التي قدمتها الاستخبارات الباكستانية والتي أفضت إلى اصطياد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أيار من العام 2011 لم تكن ذات معنى كبير إلا إذا قيست كبلسم لجرح عميق لم يندمل لإمبراطورية عظمى وقفت عاجزة ولم تستطع معاقبة الجاني، فالرجل كما أكدت المعلومات مؤخراً كان يعيش أواخر أيامه بعدما استفحل الفشل الكلوي المزمن والذي أصيب به قبل بضع سنين بالتزامن مع إخفاق المحاولات التي كانت تجريها زوجته التي كانت تسكن معه في جذب طبيب بأدوات متطورة وبأي سعر يريد، وعندها أوحت الاستخبارات لضابط باكستاني متقاعد سبق أن خدم لديها بتمرير معلومة صغيرة ليس فيها شيء إلا إحداثيات المكان الذي يعيش فيه الرجل الذي قض مضاجع الأميركان، وفي حينها حصل الضابط على جائزة مقدارها 25 مليون دولار مع حصوله على الجنسية الأميركية، ولربما من المهم هنا أن نقول إن الاختيار كان قد وقع على رجل، واسمه عثمان خالد، عمره يفوق السبعين عاما وفوق ذلك هو مصاب أيضاً بمرض عضال وقد توفي قبل عامين في لندن، ولربما كان هذا السياق كافيا للقول إن الحدث لم يكن يعني أكثر من «شفي غليل» للذات الأميركية قبل قياداتها فقد عملت هذي الأخيرة على شحن شعبها بدرجة هائلة أظهرتها الطريقة التي تم قتل بن لادن فيها، فقد روى الجندي القائم بالفعل أنه قام بذلك باستخدام طريقة «الزورقه» التي تعني وضع فوهة السلاح على رأس الهدف بزاوية معينة ثم إطلاق النار عليه ما يؤدي إلى انتزاع «طاسة» الرأس بعيداً عن باقي جمجمته.
الثابت الآن هو أن إدارة ترامب لم تعد تقيم اعتبارا لخصوصيات حلفائها، وهي تريد أن تطاع حتى ولو طلبت غير المستطاع، تحت طائلة فرض عقوبات تبدأ بتعليق المساعدات ولا أحد يعرف إلى أين يمكن أن تصل، أما المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الأزمة فهو يتوقف على أمرين اثنين أولهما مدى الاحتياج الأميركي للباكستان راهنا وعلى المدى القريب، وثانيهما حال الداخل الباكستاتي ووضع النظام القائم فيه وبمعنى آخر إذا كان ذلك النظام يحتاج للدعم الأميركي أم لا.