شواهد من فرائد الأدب العربي…المختار من كتاب «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» للثعالبي

عامر فؤاد عامر

يُعدُّ كتاب (ثمار القلوب) لأبي منصور الثعالبي أحد الكنوز الأدبيّة التي أغنت تراثنا العربي في مرحلةٍ متقدمة. إذ يعود تأليف الكتاب إلى القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي/. كما تقول الدكتورة وسام قباني التي قامت بالاختيار.
ويناقش الثعالبي فيه موضوعاً طريفاً جديداً لم يُسبَق إليه، وهو (المضاف والمنسوب) بأسلوب يتّسم بجمال التأليف، وشرف الغاية. وقد بناه على ذكر أشياء مضافة أو منسوبة كثر التمثّل بها في الشعر والنثر. مثل: حُسن يوسف – خدود الورد – صحيفة المتلمّس – ضرائر الحسناء- عيون النرجس- ليلة النابغة- وفاء السّموءل- واسطة العقد.
والثعالبي ينتخب شواهد كتابه من فرائد الأدب، وجوامع الكلام، وبدائع الحكم لذلك أطلق عليه اسم (ثمار القلوب).
ونجده يقسم عمله في اتجاهين رئيسين هما: المضاف والمنسوب. فالكلمة تكتسب شهرةً إمّا بسبب إضافتها إلى كلمة ثانية ارتبطت بها. أو بسبب نسبتها إلى أمرٍ ما عُرفت به.
وقد جعل بابه في واحدٍ وستين باباً، وكل بابٍ يشتمل على عنواناتٍ عدّة، وتحت كلّ عنوان يستشهد الثعالبي بما يحضرهُ من آياتٍ كريمة، وأحاديث شريفة، وأشعار بديعة، وحكم بليغة، وقصص ظريفة تدلّل على صحة ما يذهب إليه.
الكتاب وثيقة فنيّة أدبيّة تاريخيّة قيّمة، فهو يضمّ بين أعطافه شطراً وفيراً من عيون الشعر، وبدائع النثر، وروائع القصص، ونوادر الأخبار، ولطيف الإشارات، وبليغ العبارات. ومن ثمّ فالكتاب يعدّ حديقة غنّاء يتجوّل القارئ في رياضها النضيرة، فيتنسّم عبير الإبداع، ويتفيأ ظلال الفكر الوضّاء، ويكتسب معارف شتّى في ميادين الأدب والبلاغة والحكمة.

من مقدمة الثعالبي
وبناء هذا الكتاب على ذكر أشياء مضافة ومنسوبة إلى أشياء مختلفة يتمثّل بها، ويكثر في النثر والنظم وعلى ألسن الخاصّة والعامة استعمالها كقولهم غراب نوح ونار ابراهيم وذئب يوسف وعصا موسى وخاتم سليمان وبردة النبي محمد. وكقولهم صحيفة المتلمّس وحديث خرافة ومواعيد عرقوب وجزاء سنمار وعطر منشم. وكقولهم عدل أنوشروان وإيوان كسرى. وكقولهم سيرة العمرين وقميص عثمان وفضائل عليّ وحلم الأحنف وزهد الحسن. وكقولهم حنين الإبل وخيلاء الخيل وأخلاق البغال وصبر الحمار وزجر الكلب ونوم الفهد وروغان الثعلب وقبح القرد. وكقولهم تفاح الشام وأترج العراق وسكر الأهواز وورد جور وعود الهند ومسك تُبَّت وعنبر الشِّحر وطُرف الصين.
الباب الأول فيما يضاف إلى اسم اللـه تعالى ذكره
ورد في الفقرة 31 عن (خلافة الله): كان أبو الفتح البستيّ يستحسن قولي في كتابي المبهج: المَلِكُ خلافةُ اللـه في عباده وبلاده، ولن يستقيم أمرُ خلافته مع مخالفته، وكان يقول بودّي أنه لي بعض كلامه.
الباب الثاني فيما يضاف وينسب إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ورد في الفقرة 55 عن (خليفة الخَضِر): يقال للرجل إذا كان جوّالاً في الأسفار، جوّاباً للآفاق: فلان خليفة الخَضِر. كما قال أبو تمّام في نفسه:
خليفة الخضر من يربع على وطنٍ في بلدةٍ فظهور العيس أوطاني
بالشام قومي، وبغداد الهوى، وأنا بالرقتين، وبالفسطاط أخواني
وما أظنّ النوى ترضى بما صنعت حتى تسافر بي أقصى خراسانِ
الباب الثالث فيما يضاف وينسب إلى الملائكة والجنّ والشياطين
ورد في الفقرة 67 عن (حربة أبي يحيى): أبو يحيى هو كنية ملك الموت؛ وإنّما كنّي بهذه الكنية كناية عن الموت، كما كنّي عن اللديغ بالسليم، وعن المهلكة بالمفازة. قال الصاحب في أخوين، مليح وقبيح؛ واسم المليح منها يحيى:
يحيى حلو المحيا ولكن له أخٌ حكى وجه أبي يحيى
وحربة أبي يحيى يراد بها مقدمة من مقدمات الموت على جهة التمثيل والاستعارة.
الباب الرابع فيما يضاف وينسب إلى القرون الأولى
ورد في الفقرة 90 عن ( جور سدوم): سدوم كان ملكاً في الزمن الأول جائراً، وله قاضٍ أجور منه، يُضرب به المثل، فيقال: أجورُ من قاضي سدوم. قال أبو الليث في موسى بن خلف صاحب ابن الفرات:
أفٍّ من دولة بموسى تقومُ ما نراها مع البلاء تدومُ
ما قضى مثل ما به النذلُ يقضي في جميع الأمور قطُّ سدومُ
الباب الخامس فيما يضاف وينسب إلى الصحابة والتابعين رضي اللـه عنهم
ورد في الفقرة 97 (حلم الأحنف): قال الجاحظ: قد ذكروا في الأشعار حلم لقمان، ولقيم بن لقمان، وذكروا قيس بن عصام، ومعاوية بن أبي سفيان، ورجالاً كثيراً، ما رأينا هذا الاسم التزق بأحد، والتحم بإنسان، وظهر على الألسنة كما رأيناه تهيأ للأحنف بن قيس. أن الأحنف كان الحلم سيّد عمله فبان حلمه من سائر أعماله.
الباب السادس في ذكر رجالات العرب مختلفي الألقاب والمراتب
ورد في الفقرة 113 عن (مجنون بني عامر): هو قيس بن الملوّح، صاحب ليلى، يضرب به المثل في الحب، وهو أشهر من أن يذكر، وشعره أسيَر من أن ينبّه عليه، ومن أحسن ما يروى له قوله:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني بقولٍ يُحِلُّ العُصمَ سهلَ الأباطحِ
تجافيتِ عنّي حين مالي حيلةٌ وغادرتِ ما غادرتِ بين الجوانحِ
الباب السابع فيما يضاف وينسب إلى القبائل
ورد في الفقرة 120 عن (مهور كندة): كانت كندة لا تزوج بناتها بأقل من مئة من الإبل، وربما أمهرت الواحدة منهنّ ألفاً منها، فصارت مهور كندة مثلاً في الغلاء، حتى قال النبي صلى اللـه عليه وسلم: (اللهم أذهب ملك غسّان، وضع مهورَ كندة).
الباب الثامن فيما يضاف وينسب إلى رجال مختلفين
ورد في الفقرة 137 عن (نومة عبّود): روى الفراء بن المفضّل بن سلمة قال: كان عبود عبداً أسودَ حطاباً، فغبر في محتطبه أسبوعاً لم ينم، ثم انصرف وبقي أسبوعاً نائماً، فضُرب به المثل لمن ثقل نومه، فقيل: قد نام نومة عبوّد. وقال الشّرقي بن القطاميّ: أصلُ ذلك أن عبوداً تماوت على أهله، وقال: اندبوني لأعلم كيف تندبون إذا متّ، فسجّينه وندبنه، فإذا به قد مات. قال أبو عبدالله بن الحجاج وهو يضرب به المثل:
قوموا فأهل الكهف مع عبُّود عندكُم صَراصِر
الباب التاسع فيما يضاف وينسب إلى العرب
ورد في الفقرة 150 عن (صنّاجة العرب): كان يقال للأعشى صنّاجة العرب، لكثرة ما غنّت بشعره.
كما ذكرنا يتألف الكتاب من 61 باباً وقد اخترنا قطوفاً من أبوابها التسعة الأولى، وتستمر الأبواب المتبقية في توازع المواضيع بالطريقة فهناك ما اختص بالشجر والنبات، وبالأزمان والأوقات، وفي الأدب وما يتعلق به، وفي الجبال والحجارة، ومواضيع كثيرة شديدة الاختلاف والتقارب، لكن قام الثعالبي بتنسيقها ضمن رؤى منظمة ولطيفة لتكون تصنيفاً ندر مثله.