من دفتر الوطن – أبونا وشيطان الحروف

| حسن م. يوسف 

صباح يوم السبت الأخير من العام الماضي تناولت في حديثي الأسبوعي «بوح الكلام» الذي أقدمه على هواء إذاعة سوريانا إف إم الكلمة المهمة جداً التي ألقاها الباحث والمبدع والمفكر السوري الصميم الأب إلياس زحلاوي في السادس من كانون الأول الماضي في البرلمان الأوروبي، وقد أشدت بأهمية الكلمة وقلت: «لو أدرك القائمون على التربية، مدى عمقها وشمولها ونزاهة وشجاعة قائِلِها لقرروها في كتب التربية الوطنية المدرسية».
ولأن هذه الكلمة لم تأخذ ولو جزءاً يسيراً من حقها في النشرِ والتعميم، فقد سمحت لنفسي أن أوجزَ للمستمعين أهم ما جاء فيها، متمنياً عليهم البحث عنها وقراءتها لأنها قطعة من الشجاعة والنزاهة وعمق البصيرة.
وبناء على طلب أصدقاء ومتابعي صفحتي على الفيس بوك فقد نشرت نص الكلمة كاملاً، والحقيقة أن كل الأصدقاء والمتابعين الذين علقوا على الكلمة أشادوا بنزاهة وشجاعة وعمق طروحات الأب إلياس، وبعد يومين كتبت لي إحدى الصديقات تلفت انتباهي لما كتبه الصديق عبد المسيح الشامي على صفحته حول كلمة الأب إلياس، والحق أنني صدمت بأن السيد الشامي يعيِّر الأب إلياس بعينه التي انطفأت في طلب العلم وخدمة البلد وأبنائه، كما يلصق به صفة سيئة لا أسمح لنفسي بتكرارها لأن شخص الأب إلياس أبعد ما يكون عنها.
والحق أن ما كتبه السيد الشامي المقيم في ألمانيا صدمني حقاً لأنني لم أجد له مسوغاً منطقياً فالأب إلياس رجل عقل ومنطق وهو أبعد ما يكون عن النعرات الطائفية المعيبة، التي ألصقت به. فكل ما فعله الأب إلياس هو أنه مارس الشجاعة والنزاهة في قراءة التاريخ، فلم يجمِّل نفسه والواقفين على ضفته، كما لم يشيطن الواقفين على الضفة الأخرى، كما هو شائع.
في كلمته دعا الأب إلياس أعضاء برلمان الاتحاد الأوروبي لفهم سر صمود سورية الذي وصفه «ميشيل رامبو»، بقوله: «إن كلّ ذلك يلامس المعجزة». كما دعاهم «لفهمِ سر هذه التربة البشرية الصـرف، تربةِ سورية العميقة، التي تفسّر وحدها ما يبدو لكم مستحيلَ التفسير في هذه المقاومة بالذات». ثم أكد لهم أن هذا الأمر يعنيهم «إذ عليه يتوقف… مستقبلُ لا الغرب وحسب، بل البشرية كلها أيضاً».
بعد ذلك أعلن الأب إلياس بشجاعة مدهشة أنه «لولا هذه الضرورة، لما كنت سمحت لنفسي بالمجيء إلى هنـا، نظـراً لارتيابي الشديد من الغرب كله، مجتمعاً وكنيسةً على حدٍّ سواء».
إن كلمة الأب إلياس زحلاوي هي قطعة من الأدب السياسي الرفيع لا يجوز تأويلها في ظل العنعنات الصغيرة والولاءات الضيقة.
الطريف في الأمر هو أن الصديق عبد المسيح حاول أن يفصل نفسه عن نصه المجحف الخادش فكتب في اليوم التالي مبرراً حدته بقوله: إنه يغيب كليا أثناء الكتابة «ويحضر شخص آخر، أنا أسميه شيطان الحروف… وهذا الشيطان هو الذي يتولى زمام الكتابة على الرغم عني… لدرجة أنني في كثير من الأحيان عند قراءتي لكثير من البوستات، أستغرب بأنني من كتب هذا الكلام… وأعيد قراءته أكثر من مرة، وأتفاعل معه وكأنني لست أنا كاتبه…».
وفي الختام يعلن بشيء من المباهاة: «(صدق أو لا تصدق) ولكن أنا شخص فاقد القدرة على التحكم بكتاباتي… فانا أكتب ما يمليه عليَّ شيطان الحروف…»!
في الختام أقترح على الصديق الشامي أن يلجم شيطان حروفه بالعقل والمنطق، وأن يعتذر عما دبجه بحق السوري النبيل الأب إلياس زحلاوي.