دائرة إدلب بين تركيا وروسيا

| مازن بلال

أخرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركيا من نطاق الاتهامات بشأن الهجوم على قاعدة حميميم، ورغم غضب أنقرة من التقدم السوري في محافظ إدلب، لكن الكرملين تجنب أي تصعيد ووضع التحركات التركية ضمن سياق أستانا، متجاهلاً كل التقارير التي تتحدث عن انتشار تركي في الشمال الغربي لسورية، بما يكشف مرونة واضحة من موسكو لخفض التوتر وربما استبعاد احتمال التماس الدبلوماسي مع تركيا، فتصريحات بوتين يوم الخميس الماضي شكلت تحولا في طبيعة النظر للتطورات، وهو ما يؤكد أن موسكو تجاوزت مأزق الدخول في جدل حول الموقف التركي تجاه إدلب.
بالتأكيد فإن الموقف الروسي يدخل ضمن نظرة الكرملين إلى المعادلة الإقليمية القادمة، وهو في الوقت نفسه ينظر إلى تعقيدات العلاقة بين سورية وتركيا وفق مقاربة مختلفة تتضمن أمرين:
– الأول هو موقف دمشق الرافض عملياً لكل التحركات العسكرية والدبلوماسية لتركيا، وضمن هذا الإطار فإن موسكو تنظر إلى الأمر من موقع مختلف لاستيعاب التناقض بين أنقرة ودمشق، وبالنسبة لها فإن المسألة تتعلق بمهمتها في سورية وليس في الدخول كطرف يقيم العلاقة السورية التركية المتوترة.
المشكلة هنا هي أن المسار الروسي لا ينظر إلى كل التصريحات التركية، ويتجاوزها بشكل مكشوف على الأخص تلك المتعلقة بطبيعة حل الأزمة، فهذا التراكم من عدم الثقة لا تراه موسكو إلا من زاوية مهمتها في سورية، على حين تنظر دمشق بقلق إلى هذا الموضوع لأنه يؤثر في عمق عمل قواتها وفي تصوراتها لحل الأزمة عموما، فمقاربتها مختلفة نتيجة الجغرافيا والتاريخ وعوامل أخرى كثيرة.
– الأمر الثاني يذهب بموسكو باتجاه المعادلة الإقليمية عموماً والتوازن بين إيران وتركيا، حيث تحاول تجاوز التشدد التركي بشكل متعمد من أجل خلق توازن بين الكتلتين الأكبر، تركيا وإيران، وبشكل يمنع العودة إلى تحالفات سابقة جمعت تركيا مع السعودية في عام 2014 من أجل احتلال إدلب.
عمليا فإن الشكل القائم من العلاقات اليوم بين تركيا وإيران يصعب من المهمة الأميركية، ويجعل قدرة الولايات المتحدة في خلق اختراق كبير داخل سورية على الأقل، أمراً مستبعداً؛ الأمر الذي يجعل المهمة الروسية آمنة إلى حد ما، وهذا التوازن القائم تعلمته روسيا من حرب أفغانستان ومن الحربين في الشيشان، حيث لا يمكن المغامرة بتوازن الأدوار لدول الجوار السوري، لأن هذا الأمر سيفتح مجالاً أوسع للولايات المتحدة كي تؤثر في المعادلة القائمة على حساب الدور الروسي.
في محافظة إدلب تصل كل الأدوار الإقليمية إلى المواجهة المباشرة، وعندما غضت روسيا الطرف عن التدخل التركي سواء في مدينة الباب، أو لاحقا باتجاه مدينة عفرين، فلأن الوضع لا يحتمل المغامرة أو التعامل بمنطق كسر الإرادات لأنه سيؤدي إلى إنهاء كل التفاهمات في أستانا، وفتح الباب لفوضى جديدة، وبالنسبة لدمشق فإنها تنظر إلى تلك المقاربة الروسية من زاوية التأثير في حل الأزمة، فهي لا تريد أوراقاً تركية تؤدي إلى تعطيل المفاوضات أو الوصول إلى حلول تحتويها تركيا ولو بشكل جزئي.
معركة إدلب المستمرة ستصل إلى نقطة التناقض بين الفصائل المسلحة والأدوار الإقليمية الداعمة لهذه الفصائل، ويبدو هذا الرهان روسياً بامتياز لأنه سيجر معظم الفصائل إلى خانة «المصالحات» التي تخوضها روسيا عبر قاعدتها في حميميم، والرهان هنا خطر إلى حد بعيد لأنه يختصر التوازن الإقليمي داخل بقعة جغرافية ضيقة ومجاورة لتركيا، ولكن تصور موسكو يبدو أنه يسير بثقة ومن دون تردد، والمرحلة القادمة للأزمة السورية ستحدد مسار هذا التصور خصوصاً بعد مؤتمر سوتشي.