ميثاق إنقاذ.. ولكن!

| سامر علي ضاحي

نجح مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي بتجاوز عقبات المراحل الطويلة التي مرت تحضيراً له، ومنها ما وضع قبل لحظات من انطلاقته بافتعال المعارضة القادمة من تركيا «أزمة العلم» مروراً بدوامات التأجيل المتكررة، ورغم الإرهاق الذي لحق بالحاضرين في يوم ماراثوني، إلا أن بيان «سوتشي» أرضى طموحات معظم السوريين والأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الأزمة السورية، بحيث يمكننا أن نسميه «ميثاق إنقاذ» ولكن هذا الميثاق سيعتريه الكثير من التحديات بانتظار إنجازه.
البيان استطاع الهروب من تحديد الهوية المقبلة للدولة السورية عندما أكد «ديمقراطيتها» و«وطنيتها» أياً تكن هذه الهوية سواء كانت سورية بحتة أم عربية أم إسلامية تاركاً مأزق التحديد لنفق يدخله السوريون بأنفسهم ويخرجون منه بأنفسهم، وهذا النفق ليس معبداً ومناراً بالأضواء بقدر ما هو شائك وتواجهه تحديات عديدة أبرزها طبيعة سورية التعددية، في ظل رغبة الأكثرية في هوية عربية خالصة.
وعلى حين حدد البيان صراحة الجولان العربي السوري كمنطقة خاضعة للاحتلال، التف بذكاء على الاعتراض التركي حول تسمية «لواء الإسكندرون» كمنطقة أخرى تخضع للاحتلال التركي عندما شدد على مهمة الجيش بحماية الحدود الوطنية، فحتى اليوم لم تتنازل سورية عن لواء الإسكندرون حتى في اتفاقيات أضنة لعام 1998، ولم توقع على كامل بروتوكولات «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLO» في جامايكا لعام 1982، إنما وقعت دمشق البروتوكول المتعلق بتحديد المياه الإقليمية بـ12 ميلاً بحرياً ولم توقع الآخر المتعلق بتحديد امتداد الشاطئ البحري كي لا تقع في أزمة دبلوماسية مع أنقرة حينها.
ومقابل هذه الالتفاتة طوّع البيان مطلب المعارضة بخروج كل القوات الأجنبية من سورية على اعتبار أن الحضور الإيراني والروسي وإن كان أجنبياً إلا أنه مرتبط بطلب حكومة شرعية عكس وجود الإرهابيين والمسلحين الذين هرب معظمهم اليوم.
ويبرز نجاح آخر في سوتشي كان الاختراقة الكبيرة التي تحصلت إذ لأول مرة نرى طيفاً واسعاً من السوريين يجلسون جنباً إلى جنب دون تقسيم في اتجاهات الجلوس وكانوا أشبه بمن يستعد لامتحان التخرج وهم يعلمون أن ما يتفقون عليه فقط هو من سينقذ بلادهم، على حين ستكون خلافاتهم مأساة لها، فأنجزوا البيان الختامي، رغم إدراكهم صعوبة نقله إلى ميدان التطبيق حتى إن بعض فقراته اختلفوا على شرحها.
الروس بدورهم أدركوا جيداً أن لا نجاح في سورية دون مباركة الولايات المتحدة أو مراعاة مصالحها على اعتبار أن لها قواعد عسكرية في سورية ونفوذاً سياسياً على أطراف سورية وإقليمية ودولية قادرين على تعطيل أي اتفاق فتركت للمعارضة المدعومة من واشنطن مقاعد في اللجنة الدستورية التي انبثقت عن المؤتمر وحافظت اللجنة على توازن شبه منطقي عندما منحت الحكومة ثلثي مقاعدها وتركت للمعارضة الثلث الآخر.
اليوم بعد اختتام سوتشي وعودة السوريين إلى بلادهم تبدو الاستحقاقات كبيرة إذ يتوقع أن يحث السوريون الخطا باتجاه قراءة متأنية للدستور الحالي، مع الترجيح المتوقع بأن ما ينقصه هو التطبيق أكثر من التعديل، كي يخرجوا بإصلاحات دستورية أكثر حداثة وتراعي مكونات الشعب السوري، لكن هذا ليس بالهين إذ يتوقع أن يدخلنا الأمر في دوامة معقدة لإنجاز كل فقرة من التعديلات الدستورية، ثم إن هذه اللجنة مطالبة بمواصلة العمل في إطار مسار جنيف للحوار السوري السوري ما يعني إحياء هذا المسار من جهة عبر تحقيق اختراقة في سلة الدستور إحدى سلال المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا الأربع من جهة، ومن جهة أخرى حث القائمين على جنيف ذاته لدفعه قدماً نحو تحقيق أي إنجاز سياسي بعدما أخفق بتحقيق أي إنجاز مقارنة بمساري «أستانا» و«سوتشي» وهذا الأخير مرجح أن يستكمل في الداخل السوري ويحظى مع «أستانا» بدعم الترويكا الثلاثية «إيران وتركيا وروسيا».
تبقى العقدة الناقصة الوحيدة التي أخفق سوتشي بإنجازها وهي لجنة المتابعة ومهامها لكن يمكن نقل هذه اللجنة إلى ميدان جنيف أيضاً أوتوماتيكياً للأمم المتحدة التي استطاعت في موقف مماثل متابعة مخرجات أستانا في جنيف ومن ثم اليوم هناك رافدان للعملية السياسية الأكبر في جنيف هما «أستانا» و«سوتشي».