ثقافة وفن

حفظ المصالح

| د. اسكندر لوقــا

يكاد يكون هذا المصطلح شعاراً استعمارياً في الزمن الراهن، على غرار ما كان عليه في القرن التاسع عشر قبل أن يتجدد أمامنا في هذه الأوقات. فكما نعلم من كتب التاريخ التي تتحدث عن القرن التاسع عشر، أنه رداً على ظهور أول منشور سياسي ظهر في شوارع دمشق وبيروت في أوائل شهر حزيران عام 1880، مطالباً باستقلال العرب عن الدولة العثمانية، سارع القنصل الفرنسي في بيروت إلى نصح حكومته كي تأخذ حذرها من تنامي الروح الوطنية لدى سكان المنطقة وتحديداً في سورية ولبنان، ومن ثم أن تسعى لتأمين مصالح فرنسا في المنطقة، مع ظهور بوادر انهيار الدولة العثمانية.
وجاء في وثيقة القنصل التي أفرجت عنها دائرة الوثائق الوطنية في باريس أنه أوصى وزارة الخارجية في حكومته، أنه «يجب أن تخطط فرنسا مسبقاً لحماية مصالحها في المنطقة» لأن المنطقة ستشهد، برأي القنصل، أحداثاً تدعو إلى وضع الخطط التي تضمن لبلاده تحقيق مكاسب قد تسبقها إليها دول أخرى تترقب انهيار الدولة العثمانية خلال بعض الوقت لا محالة.
وفعلاً، لم يكن القنصل الفرنسي الوحيد بين من شغلهم مصير الدولة العثمانية، لأن دولاً أخرى، بينها بريطانيا وإيطاليا وألمانيا، كانت أيضاً طامعة في أن يكون لها موقع قدم في المنطقة.
بيد أن هذا الاهتمام بنهاية الدولة العثمانية، وموقف فرنسا وسواها من الدول الساعية لتأمين مصالحها في المنطقة بتدخلها في شؤونها الداخلية، لم يقف حائلاً دون تطلع العرب الخاضعين للاستعمار العثماني إلى تحقيق استقلال بلدانهم، ولهذا الاعتبار لم يتوقف سعيهم لتأمين حريتهم، وكان دأبهم متابعة النضال من أجل هذا الهدف وصولاً إلى تأمين مصالحهم المشروعة لا المصالح التي تصب في خانة المتطلع لتأمينها عمداً وعن طريق الحلول محل المستعمر المقيم بقناع جديد لمستعمر آخـر.
ومعروف أن الدولة العثمانية التي أطلق عليها اسم «الرجل المريض» في أواخر القرن التاسع عشر، طوت الأحداث التالية لانهيارها صفحتها من سجل التاريخ إلى أن بدأت تتجدد أوراق هذا السجل الأسود في الوقت الراهن، بهمة السلطان العثماني الجديد رجب طيب أردوغان حفيد سلاطين بني عثمان القدامى، بأمل إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، وهو يدرك جيداً أنه لن ينال من سعيه هذا غير الخزي والندم على ما اقترفته يداه حين امتدت تستهدف دماء السوريين وتدمير ما بنوه بعرق الجبين، وكانوا الأهم بين من أعطوا الحضارة الإنسانية تراثها الخالد على مدى الدهر.
إن معركة سورية اليوم، ليست رهن نصيحة قنصل أو سفير أو أي جهة في العالم حول مقولة حفظ المصالح بقدر ما هي رهن إرادة شعب أراد الحياة، ولا بد للقيد أن ينكسر على غرار قول الشاعر.
إن سورية تطمح الآن، كما طمحت في السابق، لأن تستعيد ما فقدته في سياق الاعتداء على ما فوق أرضها من بشر وحجر وشجر، وهي لا بد محققة لطموحها هذا مستمدة من تاريخ السلف إيمانهم بالنصر، كما تحقق في أربعينيات القرن الماضي بفضل صمودهم وتضافر جهودهم لبناء سورية الحديثة وإن غداً لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock