ارتباكات التحالفات السياسية الانتخابية في العراق

| أحمد ضيف الله

ما إن أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، أن «عدد التحالفات الانتخابية المصدّق عليها بلغ 27 تحالفاً انتخابياً»، وأن «عدد الأحزاب المنضوية في تلك التحالفات بلغ 143 حزباً سياسياً»، لخوض الانتخابات التشريعية في الـ12 من شهر أيار المقبل، لانتخاب 328 نائباً في 18 دائرة انتخابية تمثل عدد المحافظات العراقية، حتى كشف الإعلان عن افتراق الحلفاء القدامى بعضهم عن بعض.
إن إجراء الانتخابات التشريعية والمحلية في توقيت واحد، زاد من الضغوط على القوى السياسية، ما انعكس على التوافق في تشكيل التحالفات، خصوصاً أنها المرة الأولى التي تجرى فيها الانتخابات التشريعية والمحلية في يوم واحد، بعدما كانت تُجرى بفارق عام، عدا عن وجود عوائق فنية عدة، كمشكلة من يكون الرقم واحداً في تسلسل القائمة الانتخابية، حيث يزدحم كل تحالف بأسماء قيادية كبرى ومهمة، كل منها يجهد في أن يكون الرقم واحداً، وهذا شبه مستحيل، إضافة إلى صعوبة تقاسم المقاعد لاحقاً، والاتفاق بشأن شخصية رئيس الحكومة المقبلة.
ومما يبدو أن معظم التحالفات بين الأحزاب السياسية، هي تحالفات ورقية غير متجانسة أو منسجمة، فهي لم تُبنَ على أساس قوي ومتين، أي وفق شروط ومبادئ المصلحة العامة للعراقيين، بل أعلنت وفق حسابات ومصالح حزبية بحتة.
فعلى الرغم من أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات كانت قد لجأت إلى التمديد لأكثر من مرة من أجل منح الكتل والأحزاب فرصاً أفضل لإتمام المفاوضات بشأن تحالفاتها، التي كانت عسيرة حتى اللحظات الأخيرة، إلا أن فرص ظهور كتل عابرة للطوائف التي كانت القوى السياسية المختلفة تدعو إليها سابقاً، تبددت، والساحة السياسية العراقية، كما يبدو، لا تزال أسيرة لاستقطاب طائفي – قومي محددة بثلاثة اتجاهات: سنية وشيعية وكردية، على الرغم من تطعيم كل من تلك التحالفات نفسها بوجوه مغايرة لهويتها.
وبالتالي برزت 8 تحالفات انتخابية أساسية مثيرة للجدل، منها: تحالفان سنيّان هما، «ائتلاف الوطنية» برئاسة نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي، وتحالف «القرار العراقي» برئاسة نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، حيث لم تنجح التحالفات السنيّة المعلنة في طرح أسماء جديدة مغايرة للوجوه التقليدية، متجاوزة عقدة الزعامة التي تعاني منها القوى السنيّة بشكل دائم، بعد أن كانت قد فشلت تركيا والسعودية والإمارات والأردن، منفردين ومجتمعين من خلال مشاركتهم ورعايتهم مؤتمرات عدة خلال العام الماضي 2017، في توحيد القوى السنيّة وإزالة الخلافات فيما بينها.
وتحالفان كرديان، هما قائمة «السلام الكردستانية»، المشكلة من الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الشيوعي الكردستاني، والثاني: «تحالف وطن»، المشكل من القوى الكردية المعارضة الثلاث: «حركة التغيير»، و«الجماعة الإسلامية» و«تحالف الديمقراطية والعدالة».
إن التماسك الذي طبع التحالفات الكردية سابقاً أصبح اليوم موضع شك، فالأكراد فقدوا ثقلهم وحضورهم السياسي المؤثر في بغداد، وبالتالي لن يعودوا «بيضة القبان» في العملية السياسية كالسابق، خاصة في ظل أجواء عدم الثقة والانقسام ما بين مكونات القوى السياسية الكردية، وما آلت إليه الحالة ما بين بغداد وأربيل.
بينما أفرز البيت الشيعي أربعة تحالفات رئيسة، الأول: «تحالف الفتح المبين» برئاسة أمين عام منظمة بدر هادي العامري، الذي يجمع قوى مهمة في الحشد الشعبي، التي تشكل عامل قلق للولايات المتحدة الأميركية وقوى إقليمية، بالنظر إلى ما تتمتع به من علاقات إيجابية ونفوذ مؤثر لدى محور المقاومة، وخاصة مع تموضع قواه العسكرية الإستراتيجي على الحدود السورية العراقية، ونجاحه في تحرير أغلب المناطق العراقية التي اجتاحها تنظيم داعش، مقدماً الآلاف من الشهداء والجرحى.
والثاني: «ائتلاف النصر» برئاسة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ويضم قوى وشخصيات مهمة، ومثلما حصل في انتخابات 2010، عندما شكّل رئيس الوزراء في حينه نوري المالكي «ائتلاف دولة القانون» مستفيداً من الشعبية التي حظي بها بعد القضاء على تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، سيستفيد رئيس الوزراء حيدر العبادي من شعبية قيادته العراق في الانتصار على تنظيم داعش.
والثالث: «ائتلاف دولة القانون» برئاسة رئيس الوزراء السابق والأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي، الذي يطمح إلى استعادة مكانته ودوره السياسي في العملية السياسية العراقية، مراهناً في ذلك، على إمكانية تجيير كتل بعض قوى الحشد الشعبي المنضوية في «ائتلاف الفتح المبين»، ما بعد الانتخابات، لمصلحته، فهو يعتبر نفسه أبا فكرة الحشد الشعبي، الذي نجح في التصدي لتنظيم داعش واستعادة أغلب المناطق المحتلة منه، وبالتالي يعتقد أن الشارع العراقي سيحسب له ذلك.
أما الرابع: فهو «ائتلاف سائرون»، الذي يحظى بدعم مقتدى الصدر، والمشكل بشكل أساس من حزب الاستقامة الوطني الممثل الجديد لأنصار التيار الصدري، إضافة إلى قوى وتيارات شيوعية ومدنية، كالحزب الشيوعي العراقي، وحزب التجمع الجمهوري.
وفي مشهد يؤكد حالة التخبط في تصنيع التحالفات الانتخابية، أعلن ليل الـ13 من شهر شباط الماضي عن اندماج «تحالف الفتح المبين» بقيادة هادي العامري، و«تيار الحكمة» برئاسة عمار الحكيم، مع «ائتلاف النصر» بقيادة حيدر العبادي، إلا أنه في صباح اليوم التالي، أعلن «تحالف الفتح المبين» انسحابه من «ائتلاف النصر»، وقد تمحورت أسباب الانسحاب بحسب ما أعلنته بعض قوى الحشد الشعبي، حول خلافات بشأن زحمة التيّارات والقوى المشاركة فيه، وعدم تجانس مكوناته، ووجود شبهات فساد في بعض الشخصيات المنضوية فيه، إضافة إلى صعوبة التمثيل الصحيح للمتحالفين، لصعوبة تقاسم أصوات الناخبين، بينما أعلن «تيار الحكمة» انسحابه من ائتلاف العبادي في الـ30 من الشهر نفسه.
ومع احتمال استمرار تفكك التحالفات المعلنة قبل خوض الانتخابات، إلا أنه من غير المستبعد أن تتشكل تحالفات سياسية بعد انتهاء الانتخابات، لتشكيل حكومة أغلبية سياسية أو أغلبية وطنية، أو حكومة شراكة وطنية بحسب ما ستسفر عنه نتائج تلك الانتخابات.
وبالنظر إلى المشهد السياسي العراقي المعقد جداً، وخاصة في ضوء التحالفات للانتخابات التشريعية الأولية المعلنة، فإن عملية اختيار رئيس الحكومة، ومن ثم تشكيل الحكومة من خلال نتائج الانتخابات ستكون صعبة للغاية، بسبب التقارب المحتمل لعدد المقاعد النسبي بين مختلف الكتل الشيعية والسنيّة والكردية، حيث لا يتوقع أن تكون هناك كتلة كبيرة تتحكم بمسارات المفاوضات لتشكيل الحكومة، وخاصة ضمن التيارات الشيعية التي يتوقع أن تخوض صراعات حادة بشأن منصب رئيس الوزراء.
ومع إقرار الموعد النهائي للانتخابات، بدأت التحركات السياسية تتسارع، ومعها المخاوف من تصاعد الصراع السياسي إلى مستوى عنيف، وخاصة مع ظاهرة انتشار المواقع والصفحات الإلكترونية مجهولة الهوية والتمويل، التي تنشر شائعات ووثائق مزوّرة أو حقيقية بهدف التشهير السياسي، كما سيكون من الصعب ضبط استخدام المساجد والحسينيات في مواجهة الحملات الانتخابية المبكرة، التي لم يعلن عن بدئها بعد.
وما من شك أن الانتخابات المقبلة ستعيد رسم خريطة العراق السياسية وتوجهاته المستقبلية، وستكون بمنزلة ميزان لتقدير أحجام القوى السياسية على الأرض، وخاصة ضمن ظروف بروز قوى سياسية شيعية في هيئة الحشد الشعبي، تسعى إلى بلورة هوية سياسية تتلاءم وحجم الشهداء والتضحيات التي قدمتها على مدى السنوات الماضية، والتي باتت تشكل عنصر إقلاق لأطراف إقليمية ودولية.